العلوم والتكنولوجيا

نتنياهو والورقة الأخيرة

0 0
Read Time:3 Minute, 3 Second

بعض الزيارات تشبه الأطباء تأتي لتطمئن المريض؛ وبعضها يشبه رجال الدين تأتي لتقرأ الصلاة الأخيرة. وبين هذين الاحتمالين، حطّ بنيامين نتنياهو رحاله في واشنطن. لا أحد يعلم إن كان جاء ليودّع إيران، أم ليمنع واشنطن من توديعها.

 

هذه ليست الزيارة الثامنة لنتنياهو منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض فحسب، ولا أهميتها في أنها الأولى بعد الحرب على إيران. إنها، ببساطة، زيارة يُختبر فيها شيء أكبر من الحرب نفسها: هل لا تزال إسرائيل تحتفظ بالقدرة على تعريف أولويات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أم أن واشنطن بدأت تكتب قاموسها الاستراتيجي بنفسها؟

 

في الحروب، يخشى الجنرالات الهزيمة، أما تجار الحرب فيخشون السلام؛ فالحرب تمنحهم عدواً واضحاً، بينما يفرض السلام عليهم الإجابة عن الأسئلة التي ظلوا يؤجلونها. وربما لهذا السبب، لا تبدو إيران في العقل الإسرائيلي مجرد خصم إقليمي، بل تبدو الجدار الأخير الذي يحول دون اندفاع المنطقة نحو مرحلة جديدة. فحين يتراجع الملف الإيراني، ستنهض غزة لتسأل عن يومها التالي، وسيعود لبنان ليطالب باتفاق لم يكتمل، وستدخل تركيا من بوابة مقاتلات “إف-35″، وستطرق السعودية باب توازنات نووية جديدة. عندها، لن يكون السؤال: ماذا ستفعل إيران؟ بل ماذا ستفعل إسرائيل إذا لم تعد إيران القضية الأولى؟

 

لهذا، لا يمكن قراءة زيارة نتنياهو بوصفها زيارة عابرة، بل بوصفها زيارة لاستعادة النفوذ. ففي شباط/فبراير، بدا أن الرجل يقود الإيقاع، وأنه نجح في دفع واشنطن إلى اللحظة التي أرادها. أما اليوم، فإنه يعود إلى العاصمة الأميركية محاولاً ألا يفقد ذلك الإيقاع. اعتاد أن يدخل واشنطن وفي جيبه مفاتيح المنطقة، لكنه دخلها هذه المرة وهو يتحسس جيوبه، خشية أن يكون أحدهم قد بدّل الأقفال.

 

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تصل إسرائيل إلى البيت الأبيض وفي يدها قائمة اعتراضات، لا قائمة مطالب. تعترض على إنهاء المواجهة مع إيران قبل أن تقتنع بأن الخطر انتهى، وترى أن الحرب في غزة لم تبلغ بعد نهايتها السياسية، فيما لا يزال الملف اللبناني معلقاً بين اتفاق ترعاه واشنطن وواقع ترفضه تل أبيب، ويثير الحديث عن بيع مقاتلات “إف-35” لتركيا، أو منح السعودية هامشاً أوسع في برنامجها النووي، قلقاً استراتيجياً يتجاوز تفاصيل هذه الملفات. فنتنياهو لا يفاوض على مشروع جديد، بل يحاول أن يمنع سقوط الخطوط الحمراء التي بنت إسرائيل عليها أمنها ونفوذها لعقود.

 

ولعل أكثر ما كشف هذا التحول لم يكن بياناً مشتركاً، بل جملة قالها ترامب عندما سُئل عن الموقف الإسرائيلي من بيع “إف-35” لتركيا: “لا أحد يخبرني ماذا نبيع… لقد كانت تركيا حليفاً هائلاً بالنسبة لي”. لم تكن تلك إجابة عن صفقة عسكرية، بل كانت إعلاناً عن فلسفة جديدة في إدارة التحالفات؛ رسالة تقول إن القرار الأميركي يعود إلى واشنطن، حتى وإن لم ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية. وحين يجلس جي دي فانس إلى طاولة الاجتماع، فإن حضوره لا يضيف كرسياً، بل يضيف جيلاً جمهورياً كاملاً، جيلاً يسأل أولاً عن مصلحة الأميركي، قبل أن يسأل عن كلفة حماية الآخرين. وهذه ليست قطيعة مع إسرائيل، لكنها ليست اللغة التي اعتادت إسرائيل سماعها من البيت الأبيض.

 

وربما هنا يكمن القلق الحقيقي؛ فإسرائيل لا تخشى أن تخسر الولايات المتحدة؛ فهي تدرك أن التحالف بينهما أعمق من أن تهزه زيارة أو خلاف. لكنها تخشى شيئاً أكثر هدوءاً وأكثر خطورة: أن تفقد موقعها الاستثنائي داخل العقل السياسي الأميركي. فطوال عقود، نجحت في تقديم أمنها بوصفه امتداداً للأمن القومي الأميركي، أما اليوم، فإن قطاعات متزايدة في الغرب باتت تنظر إلى العلاقة من زاوية الكلفة والمصلحة، لا من زاوية المسلّمات التاريخية. إنها ليست نهاية التحالف، بل نهاية اليقين الذي أحاط به.

 

وربما لم يسافر نتنياهو ليقنع ترامب بأن إيران لا تزال الخطر الأكبر، بقدر ما سافر ليؤجل اليوم الذي يقرر فيه البيت الأبيض أن الشرق الأوسط لم يعد يُقرأ من نافذة واحدة. فالتاريخ لا يكتب أسماء المنتصرين وحسب، بل يكتب أيضاً أسماء الذين أدركوا متأخرين أن البوصلة تغيّرت… بينما ظلوا يحدقون في الخرائط القديمة.

 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *