هل أجهض مسلسل I Will Find You عاطفة الأبوة لمصلحة الأكشن؟
في إطار الشراكة الضخمة والمستمرة بين منصة “نتفليكس” (Netflix) والكاتب الأميركي هارلان كوبين (Harlan Coben)، أطلقت المنصة أخيراً المسلسل القصير الجديد “I Will Find You” المكون من 8 حلقات. استطاع العمل خلال فترة قياسية لم تتجاوز أسبوعين أن يحقق أكثر من 63.9 مليون مشاهدة عالمياً، متصدراً قائمة الأكثر مشاهدة ومحققاً تقييماً بلغ 7.2/10 على موقع IMDb.
ورغم هذا الإقبال الجماهيري الكاسح، يأتي هذا المسلسل، وهو العمل الرقم 13 المقتبس لكوبين على المنصة، ليطرح تساؤلات نقدية عميقة حول الجودة الفنية، والتركيز المفرط على الإثارة الهوليوودية التجارية على حساب البعد الإنساني والعاطفي، وتحديداً جوهر القصة: “عاطفة الأبوة”.
يدور المسلسل في قالب من الدراما والإثارة والغموض، وهو من بطولة نخبة من النجوم: سام ورثينغتون في دور الأب المظلوم “ديفيد بيروز”، وبريت لوور في دور الصحافية الاستقصائية”راشيل ميلز”، شقيقة الزوجة السابقة “شيريل” من أداء إيرين ريتشاردز، وميلو فينتيميجليا في دور “هايدن” (Hayden)، العقل المدبر للمؤامرة.
تبدأ الأحداث بالقبض على “ديفيد بيروز” والحكم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة قتل ابنه الصغير “ماثيو”. يعيش ديفيد سنوات خلف الأسوار مستسلماً للذنب والشعور بالعار، حتى تظهر أخت زوجته السابقة، الصحافية “راشيل”، بصورة حديثة لطفل يشبه ابنه ويحمل الوحمة نفسها على الوجه. من هنا تبدأ رحلة فرار هوليوودية ومطاردات شرسة عبر الولايات المتحدة لكشف خيوط مؤامرة معقدة تنتهي بإثبات براءته والعثور على ابنه الحقيقي.
.jpg)
بين الأبوة والأكشن
تتمثل المشكلة الكبرى في المسلسل في كيفية تعامله مع المحرك الأساسي للقصة: الأبوة والصدمة النفسية. بدلاً من الغوص في ألم أب عاش سنوات قيل له فيها إنه قتل طفله، قفز السيناريو سريعاً فوق هذه المشاعر المركبة بمجرد خروجه من السجن، ليتحول “ديفيد” إلى بطل أكشن يسابق الزمن. لقد غاب البناء العاطفي بين الأب والابن، إذ افتقر العمل بنسبة كبيرة للذكريات الاسترجاعية (Flashbacks) الدافئة التي تجعل المشاهد يتفاعل مع شجنه وشوقه، ليبقى تركيز الدراما منصباً على “فك الألغاز والهروب” لا على “حرقة الأب”. ورغم ذلك، تسلح المسلسل بنقطة قوة مركزية في جانب “الأبوة”، من خلال اسئلة تطرحها الأحداث: هل الابن من رباه الأب أو فقط من أنجبه بيولوجياً؟ وإلى مدى من التضحية قد يذهب إليها الوالد من أجل ابنٍ لم يعش معه؟
وأثار العمل جدلاً واسعاً بين المشاهدين بسبب التناقض الصارخ في خطة “هايدن” الشريرة. تدور القصة حول قيام هايدن باستبدال عينته في عيادة الخصوبة لـ”ريتشيل”، بينما كانت أختها “شيريل” حاملاً بشكل طبيعي من زوجها ديفيد. التناقض العجيب يكمن في كيف لشخصية بنفوذ “هايدن” وثرائه ألا تُجري فحص حمض نووي (DNA) بسيط للتأكد من نسب الطفل قبل الشروع في خطة خطفٍ معقدة وتدبير جريمة قتل وتبديل أطفال! هذا المزيج من الاستخفاف بعقل القارئ جعل دوافعه تبدو غير منطقية ومفتعلة.
.jpg)
خفيف لكن ممتع!
وحمل العمل في طياته الكثير من التناقضات، فهو جمع بين “الخفيف والممتع بشكل إدماني”، فرغم أن الحوارات تُلقى ببطء متضمنةً اقتباسات مكررة، لكنه يملك قدرة غريبة على الجذب بفضل السيناريو وإيقاعه السريع الذي أنقذه إلى حد كبير من عيوب المصادفات غير المنطقية والالتفافات المفتعلة.
يمكن تحديد جودته بوجبة درامية مشوقة ومثالية لمحبي الإثارة والغموض السريع، ولكنه يظل مثالاً للعمل الذي يضحي بالعمق الإنساني وعاطفة الأبوة الحقيقية لمصلحة الحبكات التجارية المفاجئة.
.jpg)
تساؤلات حول وجود موسم جديد
على رغم المطالبات الجماهيرية، تؤكد كل المعطيات والتصريحات الصادرة عن الكاتب هارلان كوبين أنه لا يوجد موسم ثانٍ للمسلسل. فالعمل صُمم “سلسلةً قصيرة” (Limited Series) أغلقت كل ملفاتها بنهاية الحلقة الثامنة. ولكن تستمر شراكة كوبين مع “نتفليكس” عبر مشروعات قادمة مقتبسة من روايات أخرى، أبرزها مسلسل “Myron Bolitar” المتوقع صدوره أواخر 2027.
