العلوم والتكنولوجيا

ساعة بغداد التي لم تستعد عافيتها

0 0
Read Time:4 Minute, 0 Second

المدن العظيمة لا تموت. إذا ما شعرت بالموت فإنها تنام لكي تغافله. عندما استيقظت بغداد بعد العصر العثماني لم تلتفت ساعتها إلى خمسمئة سنة كانت عقاربها فيها لا تتحرك. لطالما وقفتُ أمام ساعة المحطة العالمية في بغداد وهي المحطة التي بناها البريطانيون وتم افتتاحها عام 1952وصارت واحداً من أهم آثارهم  بعدما زال احتلالهم. في الحقيقة هناك ساعتان تعتليان برجي واجهة المحطة. الأولى كُتبت أرقامها بالعربية التي يُقال إنها استُوردت من الهند والثانية بالانكليزية التي يقال إنها تعود إلى أصول عربية.

لم تخطر لي فكرة المقارنة بين وقتيهما، لا لشيء إلا لأني كنت أفكر بعبقرية المعمار ويسلون.ج.م الذي استخرج من العصر الفكتوري عمارة عراقية مادة وشكلاً. بُنيت المحطة لتكون عالمية ولكنها انتهت إلى أن تكون محطة محلية وحرمت بغداد من واحدة من أعظم فرص الانفتاح على العالم. كان ذلك إنجازاً وطنياً شبيهاً بالفكرة العبقرية التي انطوت عليها مقولة صدام حسين “مَن لا يعمل لا شرف له”. كانت الكارثة الإنسانية التي ستضرب العراق قد مُهد لها بطرق مختلفة. فحينما وافق الحزب الشيوعي العراقي عام 1973 على الانضمام إلى الجبهة الوطنية كان معلوماً أن ذلك الاتفاق هو ثمرة لانتصار الدولة التي يقودها البعثيون على القيادة المركزية وهي الجناح الشيوعي الذي كان يقود بزعامة عزيز الحاج تمرداً في الأهوار. انتقم شيوعيو العراق من أنفسهم يومها وهو ما دفعوا ثمنه يوم أعلن النظام السياسي عام 1979 أنهم لم يعودوا مواطنين مرحباً بهم.

في كراج العلاوي كان سائقو الحافلات والباعة المتجولون والجنود يضبطون ساعاتهم اليدوية على ساعتي المحطة العالمية. ذلك ما لم يفعله الشيوعيون فتركوا أمتهم لخراب أحلامها الأممية. عام 1947 اعتُقل مؤسس الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف الملقب بـ “فهد” في منطقة الصالحية القريبة من المحطة العالمية وهو ما قاد إلى إعدامه. إحدى الروايات، وهي ليست مؤكدة، تقول إنه أهدى ساعته اليدوية إلى واحد من سجانيه. 

الزمن في ساعاته الرملية 

بغداد التي عُرفت بمدينة الملل والنحل كانت قد تحولت في العصر الجمهوري إلى فضاء للقتل، يمارس فيه الحزبيون انتقامهم، بعضهم من البعض الآخر. عام 1958 أعلن الحزب الشيوعي  تأسيس “المقاومة الشعبية” وهي أولى الميليشيات المسلحة في تاريخ العراق الحديث. “ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة” كان ذلك هو شعار تلك الميليشيا. هل كان العنف السياسي اختراعاً شيوعياً؟ حينما سعى عبد الكريم قاسم، وهو الرجل الأول في الدولة، إلى حصر السلاح بيد الدولة كانت البلاد قد انزلقت إلى الحرب الأهلية المغطاة بالشعارات الحزبية، وهو ما تم التعبير عنه من خلال انقلاب الثامن من شباط/فبراير عام 1963 إذ قامت ميليشيا الحرس القومي بتصفية الشيوعيين بدءاً بزعيمهم سلام عادل (اسمه الحقيقي حسين الرضي). أما حين انقلب عبد السلام محمد عارف بحركته التصحيحية في نهاية تلك السنة فإن صفحة سوداء من تاريخ العراق كانت قد طويت ولو على مدار الست سنوات التالية. بعدها لم يعد العراقيون إلى ساعاتهم الشخصية فالزمن فلت من بين أصابعهم. كأن ينسى الشاب ثماني سنوات متواصلة من عمره قضاها مجنداً وإن خرج من الحرب حياً فإن ما انكسر في روحه وقلبه لن يكون قابلاً للإصلاح. لم يكن الاستسلام لقدر من ذلك النوع هيناً، لذلك شهد العراق مسيرات هجرة تذكر بـمسيرات السومريين قبل خمسة آلاف سنة. يوم اخترع السومريون العجلة فكروا طويلاً بالزمن الذي سيتم اختزاله والمسافات التي تُطوى إذ صارت خطواتهم تسابق خيالها. لا أميل شخصياً إلى النظرية التي تؤكد أن المعدان وهم سكان الأهوار (المستنقعات المائية جنوب العراق) هم أحفاد السومريين غير أنني على يقين من أن الذاكرة السومرية استعادت نشاطها مع الهجرات الكبرى التي شهدها تاريخ العراق المعاصر عبر الخمسين سنة الماضية. 

ليس الوطن معسكر إيواء

بدلاً من أن تكون محطة بغداد للقطارات عالمية صارت محلية بأضيق المعاني. قطار صاعد إلى الشمال يصل إلى الموصل وقطار نازل إلى الجنوب يصل إلى البصرة. و”مرينا بيكم حمد واحنه بقطار الليل/واسمعنه دك اكهوة وشمينا ريحة هيل”.

أضفى مظفر النواب حزناً قهوائياً على السفر العراقي البطيء والمثقل بأفكاره المضطربة. أتذكر أنني في آخر مرة غادرت فيها العراق ولم يكن متاحاً أمامي سوى السفر براً لم أفكر في السومريين، بل استحضرت ملايين البشر ممّن نظروا قبلي إلى العراق من حدوده الغربية وفي قلوبهم شيء من وجعه وقسوته ويتمه وأساه واضطرابه ورغبته في أن يكون قاتلاً وقتيلاً في الوقت نفسه. “يا ريل صيح ابقهر/ صيحة عشق يا ريل” والريل هو القطار. تلك عاطفة لم تتسع لها ثياب المهاجرين ولا حقائبهم فظلت غيومها ترافقهم بأمطارها الناعمة إلى منافيهم.

كل عراقي ترافقه غيمة من دموع. كلما التقيت عراقياً لا أنظر إلى عينيه بل إلى الغيمة التي تقف فوقه. هناك يقع وطنه. بغضّ النظر عن مكان إقامته فإن العراقي لا يملك القدرة على التحرر من ذلك الزمن الذي تعمل ساعاته بتعليمات حزبية. ساعتا المحطة العالمية في بغداد عادتا إلى العمل بعد توقف استمر سنوات طويلة. ولكن ما الذي حدث في ذلك الزمن الميت؟ ذلك سؤال مشبع بالحنين عليك أن تتجاوزه كما لو أنك لم تعش تلك السنوات. سنلقي التحية على الزمن كما لو أننا جنوده. من ذلك نهتدي إلى حقيقة أن المرء لا يحن إلى معسكر الإيواء. فكرة قاسية أن يتحول الوطن إلى معسكر إيواء. 
     

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *