هل ينهار النموذج الاقتصادي للذكاء الاصطناعي؟.. “بيانات مالية مسربة”
نشرت مجلة “فوربس” تقريراً يسلط الضوء على تصاعد الانتقادات الموجهة إلى مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى في الآونة الأخيرة، حيث امتدَّ نطاق التحذيرات ليشمل مدراء تنفيذيين ومراجعين ماليين ووثائق تنظيمية رسمية، ما يكشف عن أزمة اقتصادية متفاقمة في نموذج أعمال الذكاء الاصطناعي، ويثير تساؤلات جدية حول استدامة هذا القطاع.
وقالت المجلة في هذا التقرير، الذي ترجمته “عربي21“، إنّ التحذيرات من عدم اتساق اقتصاديات الذكاء الاصطناعي لم تعد صادرة عن المضاربين أو المحرضين، بل باتت تأتي من مشغلين ومراجعين ماليين وحتى من إفصاحات تنظيمية صادرة عن مختبرات الذكاء الاصطناعي نفسها.
في غضون أسبوع واحد فقط، وصف الرئيس التنفيذي لشركة “بالانتير” أليكس كارب نموذج الأعمال القائم على الرموز (token) بأنّه “جنون” على الهواء مباشرة، فيما أظهرت بيانات مالية مسرّبة أنّ خسائر تشغيل شركة “أوبن إيه آي” في عام 2025 قد تصل إلى نحو 21 مليار دولار، كما حذّرت شركة “أوراكل” هيئة الأوراق المالية الأمريكية من أنّ توسعها في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي قد يواجه خطر الانهيار بسبب عدم قدرة العملاء على السداد.
وأوضحت المجلة أنّ أهمية هذه الانتقادات تنبع من كون رأس المال المغامر قد قيّم هذه المختبرات بأرقام غير مسبوقة، حيث أغلقت “أوبن إيه آي” جولة تمويلية بقيمة 122 مليار دولار في آذار/ مارس 2026 عند تقييم بلغ 852 مليار دولار، وفقاً لأرقام مسرّبة أكدّتها صحيفة “فايننشال تايمز”. كما جمعت شركة “أنثروبيك” تمويلاً مماثلاً. ويجادل إد زترون بأنّ هذا القطاع أقرب إلى سوق متواضع جرى تضخيمه ليبدو كأنه سوق بتريليونات الدولارات، ما يجعل تزايد النقاد الموثوقين تحدياً مباشراً لهذه الفرضية.
أظهرت الأرقام المدققة التي حصل عليها إد زترون وأكدّتها صحيفة “فايننشال تايمز” أنّ شركة “أوبن إيه آي” سجلت خسارة تشغيلية قدرها 20.9 مليار دولار على إيرادات بلغت 13.07 مليار دولار في 2025، مقابل تكاليف إجمالية قاربت 34 مليار دولار. كما اتسعت الخسارة الصافية إلى 38.5 مليار دولار بعد دفع رسوم لمرة واحدة مرتبطة بتحويل الشركة إلى مؤسسة الربحية. وجاء ذلك بعد أيام من تقديم الشركة ملفاً سرياً استعداداً لطرح عام أولي، ما يعني أنّ المستثمرين سيقيّمون قريباً شركة أنفقت نحو 1.60 دولار مقابل كل دولار حققته.
اظهار أخبار متعلقة
وأفادت المجلة بأنّ انتقادات كارب جاءت في مسارٍ موازٍ، إذ يرى أنّ النماذج المتقدمة جرى المبالغة في تسويقها، وأنّ العملاء يدفعون مقابل رموز (token) لا تحقق قيمة بينما يتخلون عن ميزتهم التنافسية لمزودين خارجيين. ووصف فكرة توجيه برمجيات الأمن القومي عبر نماذج وادي السيليكون بأنّها “جنون مطلق”. ورغم أنّ كارب يدافع عن مصالح شركته، إلا أنّ المؤسسات بدأت بالفعل في تقليص إنفاقها على الرموز (token) بعد عام من التوسع المفرط في شراء خدمات الذكاء الاصطناعي.
وذكرت المجلة أنّ المخاوف المتعلقة بالملكية الفكرية ليست مخاوف افتراضية؛ فقد تراجعت أسهم “فيغما” بنسبة 7 بالمئة في اليوم نفسه الذي أطلقت فيه “أنثروبيك” أداة “كلود ديزاين” المنافسة لها، وذلك بعد ثلاثة أيام من استقالة مدير المنتجات في “أنثروبيك” من مجلس إدارة “فيغما”. وأوضح المؤسس ديلان فيلد لاحقاً أنّ المختبر لم يكن صريحاً في اتصالاته.
ظهرت أيضاً مخاطر نظامية، حيث وقعت “أوراكل” صفقة بقيمة 300 مليار دولار لتزويد “أوبن إيه آي” بقدرات الحوسبة، لكنها حذرت في إفصاحها السنوي من مخاطر عدم سداد العملاء وعدم تجديد العقود. وقدّر زترون أن “أوراكل” تبني نحو 7.1 غيغاواط من قدرة مشروع “ستارغيت” لصالح مستأجر واحد هو “أوبن إيه آي”، مقابل فاتورة بناء تصل إلى 340 مليار دولار، وهو مبلغ لا تستطيع الشركة ربحه من عملياتها بعد.
وأكدّت المجلة أنّ كثافة الإنفاق الرأسمالي وصلت إلى أقوى الميزانيات العمومية، حيث جمعت “ألفابت” 80 مليار دولار عبر بيع الأسهم في حزيران/ يونيو لتمويل توسعها في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى عشرات المليارات من إصدارات السندات. وتشير تقديرات وول ستريت إلى أنّ الإنفاق الرأسمالي لشركات الحوسبة السحابية الكبرى قد يتجاوز 700 مليار دولار هذا العام، ما يجعل تجاهل الادعاء بأنّ الإنفاق يفوق التدفقات النقدية أكثر صعوبة.
يملك المتفائلون حججاً مضادة حقيقية، فقد أعلنت شركة “أنثروبيك” عن معدل إيرادات سنوي يقارب 47 مليار دولار وربح تشغيلي في الربع الثاني من 2026، فيما وصف زترون طريقة تحقيق هذا الربح بأنّها مصطنعة. كما سجلت “إنفيديا” 81.6 مليار دولار في ربع واحد، ما يثبت أنّ طبقة الحوسبة تحقق أرباحاً حقيقية. كما تحسن معدل نفقات “أوبن إيه آي” مقارنة بالعام السابق. لكن ذلك لا يحسم السؤال الجوهري: هل طبقة النماذج تمثل عملاً مستداماً أم سلعة مدعومة تتجه نحو حرب أسعار بين “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”.
اظهار أخبار متعلقة
أوردت المجلة أنّ ما يجعل هذه القضية محط اهتمام كبير بين المستثمرين هو التغير في هوية المنتقدين، فالمُضارب يسهل تجاهله، لكن المشغل والمراجع المالي والإفصاحات الرسمية للشركات تمثل اتهامات أكثر جدية.
وختمت المجلة بأنّ الاختبار القريب يتمثل في طرح “أوبن إيه آي” للاكتتاب العام، حيث ستحل الأرقام المدققة محل السرديات، وسيحدّد السوق قيمة خسائر لم يعد بالإمكان إخفاؤها وراء احتكارات قديمة. أمّا بالنسبة للمؤسسين الذين يبنون على واجهات برمجة التطبيقات المتقدمة، فإنّ تحذير كارب يُقرأ كتعليمات ملموسة لحماية بياناتهم وأوزانهم وميزتهم التنافسية قبل أن تتحول إلى مادة تدريبية لدى الآخرين. ففقاعة الذكاء الاصطناعي لا تحتاج إلى الانفجار كي تنهار الفرضية، بل يكفي أن يستمر عدد كافٍ من النقاد الموثوقين في الحديث عنها بالأدلة الدامغة.
