العلوم والتكنولوجيا

“حقيبة النزوح”: عندما تختصر حياة كاملة في مساحة صغيرة

0 0
Read Time:3 Minute, 10 Second

في الحروب، لا يُمنح الإنسان وقتاً كافياً ليختار ما يريد الاحتفاظ به من حياته. دقائق قليلة قد تفصل بين الأمان والنزوح، وبين منزل امتلأ بالذكريات وسرير موقت في مكان مجهول. عندها، تنكمش سنوات العمر كلها داخل حقيبة صغيرة؛ حقيبة لا تتسع لكل شيء، فتُجبر أصحابها على اتخاذ أصعب القرارات: ماذا نأخذ معنا؟ وماذا نترك خلفنا لمصير مجهول؟

هذا المشهد لم يعد غريباً على اللبنانيين الذين اعتادوا العيش على وقع الأزمات والحروب المتكررة. فـ”حقيبة النزوح” لم تعد مجرد حقيبة سفر طارئة، بل أصبحت رمزاً لحالة دائمة من الترقب والخوف والاستعداد للرحيل في أي لحظة. داخلها توضع الأوراق الثبوتية والشهادات والأموال وبعض الملابس، لكن ما لا تتسع له الحقيبة يبقى أثقل بكثير: الذكريات، والزوايا المألوفة في المنزل، وصور الطفولة، والإحساس بالانتماء إلى مكان شكّل جزءاً من هوية الإنسان وتاريخه.

 

نازحون الى المدارس بعد إنذارات الاخلاء (لينا اسماعيل)

نازحون الى المدارس بعد إنذارات الاخلاء (لينا اسماعيل)

 

وحتى حين تنتهي الحرب، هناك أشخاص يحافظون على عادة حمل حقيبة كبيرة تتسع لأغراض كثيرة، بدفع نفسي في أحيان كثيرة تمليه ظروف قلق ولا استقرار عاشوها في المحيط. 

حقيبة تتجاوز الاحتياجات المادية

في هذا السياق، تؤكد المعالجة والمحللة النفسية البروفسورة ماري-آنج نهرا لـ “النهار” أن النزوح لا يقتصر على الانتقال الجغرافي، بل يشكل تجربة نفسية قاسية تترك آثاراً عميقة لدى كثير من الأشخاص، ولا سيما الأطفال والمراهقين وكبار السن. لذلك، يُعدّ التحضير المسبق لـ “حقيبة النزوح” مهماً في التخفيف من مستويات التوتر والقلق، لأنه يمنح الفرد فرصة التفكير مسبقاً في الأولويات التي يرغب في اصطحابها معه.

ولا تقتصر هذه الأولويات على الاحتياجات المادية فحسب، بل تشمل أيضاً الصور والذكريات والملابس والمقتنيات الشخصية. فالحقيبة، بحسب نهرا، تحمل بعداً رمزياً يتجاوز وظيفتها العملية، إذ تختزن جزءاً من تاريخ العائلة وذكريات الطفولة، وهما عنصران يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بتكوين الشخصية واستقرار الهوية النفسية.

 

حقيبة الحرب للمرأة (ذكاء اصطناعي).

حقيبة الحرب للمرأة (ذكاء اصطناعي).

 

ذكريات الطفولة في حقيبة النزوح

 

هذا البعد الرمزي للحقيبة تجسّده تجربة الطالبة مهى حمدان من جنوب لبنان (19 عاماً)، التي اضطرتها الحرب إلى النزوح إلى بيروت، بعدما اختزلت سنوات من حياتها وذكرياتها في حقيبة واحدة. تقول لـ “النهار” إن “الأولوية كانت للملابس والأوراق الثبوتية والشهادات الدراسية التي حرصت على اصطحابها معي خوفاً من فقدانها أو تعرضها للتلف”.

لكن بين المستندات الرسمية، وجدت مهى مكاناً لملف صغير يحمل قيمة مختلفة تماماً. فهو يضم رسومات وذكريات احتفظت بها منذ طفولتها، وتعتبره جزءاً من تاريخها الشخصي. ورغم افتقاره لأي قيمة مادية، أصرّت على أخذه معها خشية أن يطاله القصف أو يضيع مع ما قد يصيب المنزل من أضرار، فتفقد معه سنوات من الذكريات التي رافقتها منذ الصغر.

وتروي مهى أن عائلتها غادرت منزلها تحت وطأة الصدمة، من دون أن تملك الوقت الكافي للاستعداد أو التفكير في ما تحتاج إليه خلال فترة النزوح. لذلك، لم تتمكن من حمل سوى الحد الأدنى من الأغراض، إذ لم يكن أحد يعلم إلى أين ستكون الوجهة أو كم ستطول فترة الابتعاد عن المنزل.

النزوح وخسارة جزء من الهوية

 

 

 

تشير نهرا إلى أن “إعداد هذه الحقيبة يساعد الفرد على مغادرة مكانه بأقل قدر ممكن من الضرر النفسي، إذ إن من أصعب ما يواجهه النازح شعوره بأنه يترك خلفه جزءاً من هويته وإنجازاته وذكرياته وكل ما بناه على امتداد سنوات طويلة. فخسارة المنزل لا تعني فقدان الجدران والأثاث فقط، بل فقدان المساحات التي احتضنت تفاصيل الحياة اليومية وشكلت مصدراً للأمان والاستقرار”.

من هنا، قد يتحول النزوح إلى أزمة هوية حقيقية، إذ يشعر الإنسان بأنه اقتُلع من محيطه الطبيعي وانفصل عن المكان الذي ينتمي إليه، حتى وإن بقي داخل حدود وطنه. فالانتماء لا يرتبط بالجغرافيا وحدها، بل يمتد إلى الأسرة والجيران والحي والعلاقات الاجتماعية التي تمنح الفرد إحساسه بالاستقرار. لذلك، قد يختبر النازح شعوراً بالغربة حتى وهو لا يزال في بلده.

متى تصبح المساعدة النفسية ضرورة؟

 

تلفت نهرا إلى أهمية الانتباه إلى بعض المؤشرات النفسية التي تستدعي طلب المساعدة المتخصصة، من بينها الميل إلى العزلة والانطواء، ورفض الاندماج مع المجتمع المحيط، وتبني أحكام مسبقة وسلبية تجاه البيئة المستقبلة، أو إظهار سلوكيات عدائية تجاه الآخرين.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *