هل ستتدخل سوريا عسكرياً في لبنان؟
حين يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اقتراحه على إسرائيل أن تتولى سوريا مهمة مواجهة “حزب الله” في لبنان، فإن الأمر لا يمكن التعامل معه كمجرد تصريح عابر أو زلة سياسية، فالرجل الذي يفكر في منطق الصفقات لا يطلق مثل هذه الأفكار من فراغ، بل يعكس اتجاهاً متنامياً في بعض دوائر القرار الدولية يرى أن مرحلة ما بعد الحرب الإسرائيلية المفتوحة مع “حزب الله” قد تتطلب لاعباً جديداً على الأرض؛ والسؤال هنا ليس إن كانت سوريا تريد مواجهة “حزب الله”، بل ما إذا كانت الظروف الإقليمية والدولية تتجه نحو دفعها إلى ذلك.
قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى صادمة، إلا أنها جديرة بالنقاش من زاوية المصالح والحسابات السياسية والعسكرية، لا من زاوية المواقف المسبقة.
على امتداد عقود، كانت العلاقة بين دمشق وبيروت جزءاً من معادلة أمنية وسياسية معقدة، لكن سوريا اليوم ليست سوريا ما قبل عام 2011، كما أن لبنان ليس هو ذاته قبل الانهيار الاقتصادي والانقسام السياسي الحادّ؛ واليوم أي حديث عن تدخل عسكري سوري في لبنان يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول الدوافع والإمكانيات والعواقب.
للمرة الأولى، تبدو المصالح السورية الإسرائيلية والأميركية متقاطعة جزئياً عند نقطة واحدة هي تحجيم “حزب الله”.
قد يبدو هذا الكلام صادماً للبعض، لكن واقع اليوم يشهد حالة أشبه بانهيار النظام الإقليمي، وتفكك التحالفات القديمة، والخصومات والعداوات التاريخية يعاد تعريفها.
إسرائيل فشلت في القضاء على الحزب رغم عشرات الحروب والعمليات العسكرية، والولايات المتحدة تدرك أن استمرار الحزب كقوة عسكرية مستقلة يعني استمرار النفوذ الإيراني في قلب المشرق العربي، أما القيادة السورية الجديدة – من الناحية النظرية – فقد تجد مصلحة في مثل هذا التدخل، إذا اعتبرته فرصة لتقديم نفسها كشريك أمنيّ مقبول إقليمياً ودولياً، وإرسال رسالة بأنها باتت لاعباً مختلفاً عن المرحلة السابقة.
من سيقاتل؟
لكن الانتقال من الدافع السياسي إلى الفعل العسكري يواجه تحدّيات هائلة. وإن أقدمت سوريا على تنفيذ ما يشبه الرغبة التي تحدث عنها ترامب، فإن أهدافها المحتملة قد تتجاوز مجرد مواجهة “حزب الله”؛ فقد تسعى إلى إعادة تثبيت دورها التقليدي في لبنان، واستعادة نفوذ سياسي فقدته منذ سنوات، وتحسين موقعها التفاوضي مع الولايات المتحدة والدول الغربية، والحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية مرتبطة بإعادة الإعمار وانفتاح دولي غير مشروط.
لكن المشكلة تبدأ من السؤال التالي: من سيقاتل؟
الجيش السوري الجديد رغم ما حققه من استعادة واسعة للأراضي، فهو ما يزال منشغلاً بإعادة الهيكلة وبناء القدرات، ومن الصعب تصور أن دمشق ستغامر بإرسال قوات كبيرة إلى لبنان في حرب طويلة ومكلفة؛ وهنا يبرز العامل الأكثر حساسية وخطورة، المقاتلون الأجانب.
خلال سنوات الماضية، تشكّلت عشرات الفصائل التي تضم في قسم منها مقاتلين غير سوريين، قدموا من آسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ بعض هؤلاء يمتلك خبرات قتالية هائلة، وبعضهم لا يرتبط عاطفياً أو سياسياً بالساحة اللبنانية، ما يجعله أكثر استعداداً للانخراط في معارك معقدة إذا توفرت الإرادة السياسية والتمويل والدعم اللوجستي.
فإن جرى استخدام هؤلاء كرأس حربة لأي عملية ضد “حزب الله”، فإن المنطقة ستكون أمام مشهد غير مسبوق: مقاتلون أجانب يدخلون لبنان تحت مظلة سورية لمواجهة تنظيم شارك سابقاً في الحروب السورية نفسها، ولكن هذه ليست مغامرة عسكرية فقط، بل قنبلة سياسية أيضاً.
فـ “حزب الله” ليس مجرد قوة مسلحة، بل جزء من النسيج السياسي والطائفي اللبناني، وأي محاولة لفرض حلّ عسكري عليه ستفسر داخل قطاعات واسعة من اللبنانيين باعتبارها حرباً على بيئة اجتماعية كاملة، لا على تنظيم بعينه، وهذا كفيل بإشعال لبنان من جديد ودفعه نحو مرحلة أكثر خطورة من تلك التي عاشها خلال الحرب الأهلية.
إقليمياً، لن تقف إيران مكتوفة الأيدي، فـ”حزب الله” يمثل أهم أصولها الاستراتيجية خارج حدودها، وإذا شعرت طهران بأن هناك محاولة لتفكيك هذه الورقة، فإن الرد قد لا يبقى محصوراً في لبنان وسوريا، بل قد يمتد إلى ما هو أبعد.
أما إسرائيل، التي قد تبدو مستفيدة من هذا السيناريو، فستجد نفسها أمام معضلة مختلفة، إذ تريد إضعاف “حزب الله”، لكنها لا تريد في الوقت نفسه عودة سوريا كقوة إقليمية مؤثرة تفرض حضورها مجدداً على الساحة اللبنانية، ونجاح دمشق في هذه المهمة قد يخلق مشكلة استراتيجية جديدة لها بدلاً من حل المشكلة القديمة.
سورياً، الثمن سيكون هائلاً، فأي تدخل عسكري في لبنان قد يستنزف دمشق مجدداً بعد سنوات طويلة من الحرب، وقد يعيد فتح جبهات داخلية وإقليمية كانت في طريقها إلى الإغلاق، والأخطر أنه قد يحول الأراضي السورية واللبنانية معاً إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية.
الواضح أن فكرة التدخل العسكري السوري في لبنان، رغم إمكانية طرحها نظرياً في إطار الحسابات الجيوسياسية، فإنها أقرب إلى سيناريو شديد التعقيد، أكثر من كونها خياراً عملياً قابلاً للتنفيذ بسهولة؛ فالمعادلة لا تتعلق فقط بقدرة دمشق أو رغبة واشنطن أو موقف إسرائيل، بل بشبكة متداخلة من المصالح الإقليمية والتوازنات الداخلية التي تجعل أي خطوة من هذا النوع محفوفة بالمخاطر.
يبقى القول: القضية ليست إن كانت سوريا قادرة على مواجهة “حزب الله”، بل ما إذا كانت المنطقة وشعوبها تحتمل حرباً جديدة.
*باحث ومستشار سياسي
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية.
