العلوم والتكنولوجيا

الموسيقى في لبنان تفتح جبهة أخرى في مواجهة الحرب

0 0
Read Time:3 Minute, 23 Second

ليست الموسيقى أولوية في زمن الحرب، ولا يدّعي أحد ذلك. فحين تُقصف المدن وتُهجّر العائلات وتطغى الأخبار الأمنية على تفاصيل الحياة اليومية، تتبدّل سلّم الأولويات تلقائياً. لكن الثقافة، في مثل هذه اللحظات تحديداً، تطرح سؤالاً آخر يتعلق بما يبقى من المجتمع وسط الأزمات: الذاكرة، والهوية، والقدرة على الحفاظ على مساحة مشتركة خارج لغة الحرب.

 

خلال الأيام الأخيرة، شهد لبنان مجموعة مبادرات وأمسيات موسيقية حملت رسائل مختلفة، لكنها التقت عند فكرة واحدة: الإصرار على استمرار الحياة الثقافية بوصفها شكلاً من أشكال التمسك بالوطن. فمن جونية التي غنّت للجنوب، إلى بيروت التي عزفت للذاكرة، بدت الموسيقى وكأنها تفتح مساراً موازياً لمواجهة آثار الحرب على الإنسان والمكان.

 

 

 

أصوات تتجاوز ضجيج الحرب

 

في شننعير، إحدى بلدات محافظة جبل لبنان الواقعة شمال العاصمة بيروت، حيث أُقيمت أمسية “للوطن” دعماً للعائلات الصامدة في جنوب لبنان، لم يقتصر الحدث على جمع التبرعات أو تقديم فقرات غنائية. فمثل هذه المبادرات تكتسب معنى إضافياً في فترات الأزمات، لأنها تعيد تأكيد فكرة التضامن الوطني في مواجهة التصدعات التي تخلّفها الحروب.

 

View this post on Instagram

A post shared by Annahar (@annaharnews)

 

ومن هذا المنطلق، جاءت كلمات أعضاء فرقة “الفرسان الأربعة” انعكاساً لروح الأمسية. فقد قال الفنان إيلي خياط: “هذه قضيتنا، هذه كلمتنا، وإن شاء الله قريباً نغني على أرض الجنوب”. وأضاف: “قد ما نختلف بالقراءة وقد ما نختلف بالانتماءات، بس كلنا بنبقى لبنانية وكلنا ضد العدو”.

 

ورغم بساطة هذه العبارات، فإنها تعبّر عن إحدى الوظائف التقليدية للفن في لحظات التوتر الكبرى: البحث عما يجمع الناس لا عما يفرّقهم. وهي الفكرة نفسها التي اختصرها الفنان سيمون عبيد بقوله: “هؤلاء أهلنا، المفروض أن نقف بجانب أهلنا بكل مناسبة”.

 

 

الحفل الخيري في جونيه

الحفل الخيري في جونيه

 

دفاعاً عن الذاكرة اللبنانية

 

في المقابل، حملت الأمسية التي أحيتها الأوركسترا الفيلهارمونية الوطنية اللبنانية في بيروت رسالة مختلفة. فبدلاً من التركيز على التضامن المباشر، انشغلت بفكرة الذاكرة نفسها، وهي إحدى أكثر القضايا إلحاحاً في المجتمعات التي تعيش الحروب. فالأضرار التي تخلّفها النزاعات لا تقتصر على الحجر والبنى التحتية، بل تمتد إلى السردية الجماعية التي تشكّل هوية المكان وسكانه.

 

من هنا اكتسبت كلمة رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الدكتورة هبة القواس دلالتها الخاصة. ففي حديث لـ”النهار”، رأت أن الإصرار على إقامة هذه النشاطات الثقافية يأتي “من أجل أن نتمسك بالذاكرة وبالقوة اللبنانية”، مضيفة أن الشعوب لا تختفي بسبب الحروب أو الأزمات بقدر ما تضعف حين تنقطع صلتها بذاكرتها.

 

 

المايسترو لبنان بعلبكي متوسطا شقيقته الفنانة سمية بعلبكي والدكتورة هبة القواس تصوير نبيل اسماعيل

المايسترو لبنان بعلبكي متوسطا شقيقته الفنانة سمية بعلبكي والدكتورة هبة القواس تصوير نبيل اسماعيل

 

View this post on Instagram

A post shared by Annahar Al Arabi (@annaharar)

 

الجمال في وجه الخراب

 

في بلد شهد خلال العقود الماضية حروباً متتالية وأزمات متراكمة، يبدو الحديث عن الذاكرة أكثر من مجرد مفهوم ثقافي. إنه جزء من معركة الحفاظ على الرواية اللبنانية نفسها، وعلى قدرة المجتمع على نقل تجاربه وخبراته وأحلامه إلى الأجيال المقبلة.

 

هذا المعنى انعكس أيضاً في كلام المايسترو لبنان بعلبكي، الذي وصف استمرار عمل الأوركسترا في هذه الظروف بأنه فعل إصرار بحد ذاته. وقال لـ”النهار”: “نحن في الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية نتمسك بالإصرار على الاستمرار مهما كانت الظروف”، مضيفاً: “نحاول قدر المستطاع أن نستغل لحظات الهدوء القليلة لنقدّم للناس شيئاً من الأمل، لأن الحياة لا يمكن أن تستمر من دون بعض الروح الموسيقية”.

 

 

الحفل في الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى في بيروت (تصوير نبيل اسماعيل)

الحفل في الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى في بيروت (تصوير نبيل اسماعيل)

 

أما الفنانة سمية بعلبكي، فذهبت أبعد من البعد الفني البحت، معتبرة أن الموسيقى في هذه المرحلة تتحول إلى موقف في مواجهة محاولات المحو. وقالت لـ”النهار”: “شعرت وكأن هذه الموسيقى تقول إن كل محاولات الإبادة، سواء إبادة الذاكرة أو إبادة لحظات الفرح والجمال، لن تنجح”، مضيفة أن الأمسية منحتها إحساساً بأن “الموت لا يستطيع أن ينتصر علينا في لبنان مهما كان حجم الدمار”.

 

قد لا تغيّر الموسيقى مسار الحروب، ولا تملك حلولاً للأزمات السياسية أو الإنسانية. لكنها تؤدي وظيفة مختلفة لا تقل أهمية: حماية ما يجعل المجتمع قادراً على الاستمرار رغم كل شيء. وبين جونية التي غنّت للجنوب وبيروت التي عزفت للذاكرة، بدا المشهد الثقافي اللبناني أخيراً وكأنه يذكّر بأن مقاومة الحرب لا تكون فقط في الميدان، بل أيضاً في الدفاع عن الذاكرة، وعن التضامن، وعن حق الناس في الاحتفاظ بشيء من الجمال وسط كل هذا الخراب.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *