لبنان المتمرّد
لبنان ليس بلداً يتيماً. حتى وإن بدا وحده في أصعب محنة في تاريخه. عنده نفسه، ونفسه صلبة، إنه تحول مع الأجيال والأيام إلى كلمة بحد ذاته، كما في القول المقدس. لذلك فهو ترسخ وصمد منذ النشوء وحتى اليوم، حتى إلى هذا الزمن الكالح الذي يشهد أقسى الحروب من داخلٍ ومن خارج.
ولأجل هذا فإن المواقف المتلاقية، من البيان الثلاثي التاريخي في واشنطن، إلى حديث الرئيس جوزف عون الفاصل إلى المحطة الأميركية، برهنت أنها مواقف في الأساس كونها تلامس القاعدة المتينة التي أرسيَ عليها لبنان. إنه التمرد المشروع والصوت العالي الذي يرفض ما فرض عليه. إذ وقت الحاجة يلجأ المرء كما يُقال إلى دفاتر والده القديمة، ودفاترنا القديمة صفحاتها من نور وسطورها من ذهب لأنها قُدّت من حجارة البنيان، وهي ترشدنا إلى الطريق الذي ليس هنالك غيره حتى وإن كانت محفوفة بالأيدي الغريبة العابثة، لأن كل غريب هو عابث، وعاجز عن إدراك ذلك السر الذي جعل «وطن الأرز» كما تصرّ على وصفه جريدة لوموند الفرنسية أمنع مما يخيّل إلى أولئك الغرباء الذين استباحوا تلك الطريق المضيئة وحولوها إلى ظلام، لأنهم ليس عندهم سوى الظلام ليصدروه، والظلام في كل أوجهه ومعانيه. وهو في الأصل نقيض لبنان الصارخ.
لبنان مهمته أو دعوته أن يصدر النور وليس القذائف والصواريخ من قبل الذين استباحوا أرضه وسهوله وفضاءه حولوها إلى ساحة خدمة لمصالحهم.
كل ذلك انكشف على الصعيد العالمي: لبنان سيدٌ وحرٌ وموحد. وجنوبه سيعود إليه لأنه جزءٌ أساسي من الجسد. والحرب سوف تنتهي.
المؤمنون تحركت ضمائرهم هذه الأيام، لسبب واضح ومعلن لم يشهده تاريخ النشوء والتطور من قبل وهو بسبب امتداد تلك اليد الخارجية إلى أحد المكونات الطائفية اللبنانية وإعلانها الحرب على إسرائيل بواسطة هذا المكون الذي كان من بين الذين شهدوا ولادة الأساس وإعلاء شأن البنيان.
يا للفظاعة! كان هنالك العرب، والجيران ممن عبثوا من جهة وساعدوا على الحلول من جهة ثانية. أتذكرون مؤتمري الرياض والقاهرة في خريف 1976 لوقف إطلاق النار في لبنان بعد سنة من بداية المواجهات العسكرية الداخلية وإنشاء قوات ردعٍ عربية. كثيرون لا يذكرون ولا يدرون ربما أن الرئيس الراحل الياس سركيس الذي أمل بعد انتخابه عام 1976 أن تكون قوات الردع العربية تلك تمهيداً لإنهاء الاقتتال. ولكنه فوجئ ولعه فجع بزيارة الرئيس المصري أنور السادات لإسرائيل بعد سنة من ذلك التاريخ في خريف 1977 فقال أمام معاونيه: الآن كُتب عليّ أن أدير الأزمة وليس أن أحلّها. وكانت ولايته «مكسورة الخاطر» كما كتب يومها المرحوم أدوار حنين، لأنه انتخب في الحرب وعاش ولايته في الحرب وتوفي عام 1985 في الحرب.
الفلسطينيون كانوا في جنوب لبنان على مرمى حجر كما يُقال. كانوا على حدود فلسطين المحتلة بلادهم الأصلية التي تحولت إلى إسرائيل عام 1948، ولبنان حدوده الجنوبية مع فلسطين مذ رُسمت الحدود بين البلدين عام 1918. لكن إيران التي تحارب إسرائيل اليوم بالواسطة تبعد عن فلسطين تلك مسافة 2314 كم.
خَرِبَ لبنان من حروب الفلسطينيين، ومن التصريحات التي كانت تقول أن طريق فلسطين تمرّ في جونيه، قبل أن يغادر الفدائيون لبنان في ربيع 1982 بعد حادثة «بوسطة عين الرمانة» في 13 نيسان 1975 التي كانت السبب لتفجير الحروب. فأي طريق هي لـ إيران اليوم في لبنان؟
زمن الحروب هذه انتهى في خريف 989 مع مؤتمر الطائف وتعديل الدستور وإعادة توزيع الصلاحيات كما قضت الحلول. ويومها أطلّ رفيق الحريري بقضية إعادة الإعمار وإعادة إحضار لبنان بالخارج قبل أن تمتدّ إليه اليد المعادية لكل ما يُعاد إعماره وإحضاره في لبنان، في ذلك اليوم من شباط 2005.
ضمائر الغالبية الساحقة من اللبنانيين غاضبة اليوم وثائرة: إذا كانت حروب الخمسة عشر عاماً بين 1975 و1990 معروفة الأسباب والعوامل المتداخلة مثل كل الحروب في العالم، فما شأن إيران بنا؟ ما شأنها في ربط حربها مع إسرائيل وأميركا بلبنان وبإحلال السلام فيه. ما شأن مسؤولي نظامها التصريح بأن قضية لبنان هي قضيتهم. ما شأنها في إنشاء وتسليح قوة لبنانية صودف أنها متعاطفة معها مذهبياً لتضرب أساس التوافق اللبناني القائم على صيغة الاختلاط – فالجنوب نموذج للاختلاط البشري – والاعتدال والعيش مع الآخر بدون استقواء. لأن التدخل السافر هذا بمختلف النتائج الكارثية التي تولدت منه، يضرب أساس البنيان، ويحدث انقساماً داخلياً لم يسبق له مثيل.
نقول ذلك لأن لبنان السيد والمستقل تحرر منذ عقود طويلة من الحمايات الأجنبية ليُنشأ تجربة ليس لها مثيل في العالم جعلت العرب أولاً يؤيدون تلك التجربة والغرب يعتبرها مثالاً حتى له وفق توصيف البابا يوحنا بولس الثاني.
ويوم صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرابع من حزيران الجاري بأن لبنان يستحق السلام إثر مشادة هاتفية مع رئيس وزراء إسرائيل نهاه فيها عن ضرب ضاحية بيروت، إنما كان يسعى بعد البيان الثلاثي المشترك في واشنطن لإحداث فصل نهائي بين لبنان وإيران في المفاوضات الجارية.
أميركا الصديقة، وأوروبا الصديقة وبخاصة فرنسا التي دعت إلى اجتماعٍ خاص لـ مجلس الأمن حول لبنان. والسعودية ومصر وسائر العرب أشقاء، لبنان ليس وحده، ليس يتيماً. إنه ليس بنداً على جدول تفاوض إيران مع الولايات المتحدة، مثل النووي ومضيق هرمز والأموال المجمدة. وإسرائيل سوف تنسحب من أرضه وأهل الجنوب سوف يعودون إليه ويعيدون بناءه. لبنان قال كلمته أمام العالم كله: لا للتدخل الإيراني. وإيران ليست صديقة. والغالبية الساحقة من اللبنانيين يرفضونها. هذا هو الواقع الآن: هنالك بالطبع خطواتٍ لاحقة من شأنها ترجمة هذه المواقف إلى وقائع على الأرض. على أرض لبنان الذي لا يليق به سوى السلام، وذلك النموذج الفذّ الوحيد في العالم وهذا ما سيتحقق في المدى المنظور. يعود الحق إلى أصحابه وحق لبنان ساطعٌ مثل الشمس التي تشرق عليه كل صباح.
