منزل سعد الزين الأثري قاوم الزمن وتحولاته… وأسقطته الحرب!
منذ أن بدأ عبد العزيز الزين بتشييد منزله أواخر عام 1940، بمحاذاة دارة والده الراحل يوسف بك الزين التاريخية، في بلدة كفررمان الجنوبية، كان يدرك حتماً أن هذا البيت سيبقى شاهداً على ذاكرة العائلة الممتدة إلى ما قبل الانتداب الفرنسي، خصوصاً أنه الوحيد بين إخوته الذي اختار أن يبني منزله في البلدة.
View this post on Instagram
لكن ما لم يكن يعرفه قطعاً، أن المنزل الأثري الذي حوّله نجله سعد الزين لاحقاً إلى متحف تراثي يشبه واحة كفررمان بكل تنوعها، ستجعله آلة الحرب الإسرائيلية رماداً… “لأي ثمن؟ ولأي قضية؟ ولأي سبب؟”.
ومع حلول التحرير عام 2000، أطلق سعد الزين ورشة لترميم المنزل الذي كان قد “تضرر مراراً بفعل القصف الإسرائيلي منذ سبعينات القرن الماضي، شأنه شأن غالبية منازل الجنوبيين”، وفق ما أكد لـ”النهار”.

وأوضح أن “المنزل شُيّد من الحجر الصخري والقرميد عام 1945، بسقف عالٍ يتناسب مع متطلبات زراعة التبغ، إضافة إلى غرفة تحت الأرض خُصصت لتخزين المحصول”.
ويؤكد المؤرخ علي مزرعاني أن “المنزل، الذي أضيفت إليه توسعات عام 1960، تميز بهندسته المعمارية الجنوبية التقليدية المرتبطة ببيوت العاملين في زراعة التبغ، خصوصاً أن عبد العزيز الزين كان من أوائل العاملين في هذا القطاع”.


ويشير مزرعاني إلى أن “النقلة التراثية النوعية تحققت على يد سعد الزين الذي لم يكتفِ بترميم المنزل، بل حوّله إلى متحف حيّ. فاستحضر القناطر الحجرية والقرميد القديم و “الحاووز” (خزان المياه)، كما جمع أدوات المزارعين التراثية، من الفدان والمورج والمنجل والمعول إلى المواقد الحجرية وغيرها”.



ولا يخفي سعد أن منزله، المتربع بين صنوبرات كفررمان المعمرة، شكّل “رئتَه الخاصة” بعيداً من ضوضاء بيروت، حيث كان يلتقي أصدقاءه ومحبيه في الحديقة، إلى جانب المدفع العثماني والأسلحة التراثية التي جمعها، “من أصغر مسدس إلى أكبر بندقية”، فضلاً عن الصور العائلية العائدة إلى زمن جده يوسف بك الزين، وعمه النائب الراحل عبد اللطيف الزين، والمخطوطات المكتوبة بخط والده، وغيرها من الوثائق والأرشيف.


كذلك حافظ على “معمل الدخان” أسفل المنزل، لكنه حوّله إلى معرضٍ للمونة الجنوبية التقليدية، جمع منتجاته من المزارعين المحليين، وسعى إلى تسويقها عبر جمعيته في الخليج العربي وسائر أنحاء العالم، انطلاقاً من قناعته بأن “الأرض تُصان بالزراعة، وأن شتلة التبغ كانت دائماً عنواناً جنوبياً للصمود. فالبقاء في أرضنا العاملية لا يكون إلا بدعم المزارعين وتسويق إنتاجهم”.

ويرى مزرعاني أن المنزل اكتسب “قيمة تراثية مضاعفة، ليس بسبب طرازه المعماري القديم فحسب، بل لأنه شكّل ملتقى اجتماعياً وسياسياً وثقافياً راسخاً في ذاكرة أهالي كفررمان والنبطية، ولم تغب الحركة عنه حتى بعد ابتعاد آل الزين عن الحياة النيابية إثر وفاة النائب عبد اللطيف الزين”.


هكذا، بات سعد الزين ومنزله التراثي يختصران حكاية الجنوبيين الذين أحبوا الحياة وتمسكوا بذاكرتهم وقراهم وتاريخهم المتوارث. لكن لغة الحرب كانت أقسى من إرادتهم، ففرضت الموت والخراب وضياع الأرزاق والذاكرة معاً.


فكيف سيعود سعد، ومعه آلاف الجنوبيين، إلى قراهم، وهم يحملون ألم فقد الأحبة، ووجع ضياع ذاكرةٍ تراثيةٍ لم تكن مجرد حجارة… بل حياة كاملة؟
