تحولات المشهد في حوض الخليج العربي
عند قراءة ما سُرّب من معلومات عن العرض المقدم من إيران للوصول إلى إنهاء الحرب، تعتقد للوهلة الأولى أنه عرض استسلام للطرف الآخر، وأن الوقت كفيل بإنهاء الصراع كما تشتهي طهران، وسوف نسمع من هذا الكلام الكثير!
في لحظات الأزمات الكبرى، تنكشف طبيعة التفكير السياسي للدول، ليس في وضعها العسكري، بل في طريقة قراءتها للواقع. ما يثير الانتباه في السلوك الإيراني، هو الميل إلى تقديم “عروض المنتصرين” حتى في لحظات لا تسندها الوقائع الميدانية. أتحدث عن نمط تفكير يخالف المنطق، ويقترب مما يمكن تسميته بـ”التفكير الأعوج” كما تناوله أحد إصدارات “عالم المعرفة” حول الفرق بين التفكير المستقيم والتفكير الأعوج، في كتاب بذلك العنوان صدر في آب/ أغسطس عام 1979.
التفكير السليم، كما يقرره علم المنطق، يقوم على قراءة الوقائع، ثم بناء الاستنتاجات عليها. أما التفكير الأعوج، فينطلق من قناعة مسبقة، ثم يبحث عن أدلة منتقاة لتأكيدها، أو يستند على عنصر واحد ويتجاهل العناصر الأخرى الأكثر تأثيراً.
تبعات خطيرة
في الحالة الإيرانية، تبدو هذه الآلية واضحة في التعامل مع العالم؛ تموّل الأذرع وتدعي أن ليس لها علاقة بها. تثير الأزمات وتدّعي البراءة… النتيجة معروفة سلفاً: “نحن منتصرون” ثم تُعاد صياغة الأحداث لتخدم هذا الاستنتاج.
هذه ليست مسألة خطاب داخلي لبيع الوهم للجمهور، بل لها تبعات سياسية خطيرة. حين تصر دولة على قراءة نتائج الصراع الذي دخلته بعكس النتائج المشاهدة، فإنها تدخل المفاوضات بعين واحدة، وتفقد القدرة على تقديم تنازلات واقعية.
بل أكثر من ذلك، قد ترفع سقف مطالبها في لحظة تستدعي خفضه، وهو ما يطيل أمد الأزمات. هي تختار بين الأدلة ما يخدم رأيها، ثم تتصرف وكأنها رأت الصورة بأكملها، بل إن بعض أصواتها يقول إن أميركا تصرخ أكثر من مرة مستجدية وقف الحرب!
انتقاء الأدلة
كتاب “التفكير المستقيم والتفكير الأعوج” يشير إلى أن أحد أخطر أشكال التفكير الأعوج هو “انتقاء الأدلة”، أي اختيار ما يدعم الفكرة وتجاهل ما ينقضها. في الخطاب الإيراني، نرى تركيزاً على جزئيات محددة، هنا، أو هناك، وتجاهلاً للكلفة الكلية على المجتمع الإيراني بكل مكوناته: اقتصاد متآكل، بنية تحتية متضررة، وضغط اجتماعي متصاعد. هذا الانتقاء لا يغيّر الحقيقة، لكنه يخلق صورة ذهنية مريحة تعيش داخلها النخبة الحاكمة.
التفكير هذا لا يبقى محصوراً في الداخل؛ فحين يُترجم إلى سياسة خارجية، يصبح عبئاً على الاستقرار الإقليمي، ووجع “في الرقبة” ويعني، عملياً، رفض الاعتراف بتوازن القوى، ما يضع الطرف الآخر أمام خيارين، إما قبول شروط غير واقعية، أو الاستمرار في المواجهة. وغالباً ما يكون الخيار الثاني هو الأقرب إلى التحقق.
هناك عنصر نفسي لا يمكن تجاهله. الأنظمة التي تبني شرعيتها على فكرة “الانتصار الدائم” تجد صعوبة في الاعتراف بالخسارة. لأن الاعتراف هنا لا يُقرأ كخطوة عقلانية، بل كتهديد للشرعية الداخلية. لذلك، يتم اللجوء إلى إعادة تعريف المفاهيم، الانسحاب يصبح “إعادة تموضع”، والخسارة تتحول إلى “نصر استراتيجي”. هذا التلاعب المفاهيمي هو أحد مظاهر التفكير الأعوج.
في المقابل، التفكير الصحيح لا يعني الضعف. بل على العكس، هو شرط لمواجهة الواقع والبحث عن حلول. الدول التي تقرأ واقعها بوضوح تستطيع أن تعيد التموضع بذكاء. التاريخ مليء بأمثلة دول تراجعت خطوة لتتقدم خطوات، لأنها امتلكت شجاعة الاعتراف قبل شجاعة المواجهة. المسألة الإيرانية أنها تفقد المواجهة والمحاسبة، وهي ظاهرة ثقافية/سياسية ملازمة للدول الثورية!
في السياق الخليجي، يصبح هذا الفارق أكثر أهمية. التعامل مع طرف يفكر خارج المنطق التقليدي يتطلب مقاربة مزدوجة، صلابة في الدفاع عن المصالح، وواقعية في فهم سلوك الخصم. لا يكفي الرد على ما يُقال، بل يجب قراءة ما وراءه من الدوافع، لهذا يتوجب الاستعداد لخوض معركة رأي عام آتية.
كذلك فإنّ على المجتمع الدولي أن يدرك أن المشكلة ليست فقط في السياسات، بل في طريقة التفكير التي تنتج هذه السياسات، أي العقيدة السياسية التي أصبح التخلي عنها أشبه بفقدان جزء من الذات. الضغط السياسي أو الاقتصادي قد يحقق نتائج محدودة، وجب أن يترافق مع إدراك لطبيعة العقل الذي يتخذ القرار. هنا تبرز أهمية معرفة العقل السياسي الإيراني، ذي الطبيعة التي تعتمد على الأسطورة والعمل على تفكيكها.
بأي كلفة؟
لا يمكن لأي دولة أن تفاوض في واقع مأزوم إلى ما لا نهاية، وتضع افتراضات قد تحدث لدى الخصم ويمكن أن تغيّر المسار. الواقع يفرض نفسه، ولو بعد حين. السؤال ليس هل سيتغير هذا النمط من التفكير في إيران، بل متى وبأي كلفة. وكلما تأخر التصحيح، ارتفعت الفاتورة، على الشعوب الإيرانية والجوار والاقتصاد العالمي.
آخر الكلام: حين تغيّر المفاهيم لتخفي الواقع، لا يتغيّر الواقع، بل تتغيّر قدرتنا على رؤيته.
