موتانا قهوتنا الصباحية… كيف تعلّم الإنسان القسوة؟
نظرة سريعة يجريها المحظوظون، الذين اختارهم القدر ليعاصروا ما يشبه أيام الإنسانية الأخيرة، تكفي لالتقاط فرقٍ واضح في ردّات الفعل الشعبية والسياسية والدولية تجاه المجازر والمآسي.
كانت المجزرة في السابق حدثاً استثنائياً في بشاعته، يوقف الزمن ويُربك العالم. أمّا اليوم، فقد باتت تمرّ كأنها جزء من صباح عادي، كفنجان قهوة مرّ يُشرب على عجل قبل متابعة اليوم. تمرّ المجازر كأنها إشعارات على شاشة، سريعة، متلاحقة، ثم تختفي.
يبدو أن موت شخص واحد ما زال قادراً على هزّ الأرض، بينما موت آلاف قد يترك صدمة قصيرة سرعان ما تتلاشى خلال دقائق. وربما يعود ذلك إلى طبيعة الإدراك نفسه: نحن نتفاعل مع قصة واحدة، مع وجه واحد، مع حياة يمكن تخيّل تفاصيلها.
لكن حين يتحول الألم إلى أرقام، يتعثر الخيال. فماذا عن الذين رحلوا؟ ماذا كانوا يفعلون في لحظاتهم الأخيرة؟ ماذا بقي في هواتفهم من تنبيهات لن تتحقق؟ امرأة تُعدّ القهوة لزوجها في صباحٍ عادي، طفل ينتظر عامل الديليفري عند الباب بصبره الصغير، وطالبة تفتح محاضرتها على هاتفها ثم لا تلحق بها لأن القصف سبقها.
تفاصيل بسيطة، لكنها وحدها القادرة على إعادة الموت إلى معناه الأول: حياة كانت هنا، ثم لم تعد.
ربما باختصار: “موت شخص واحد مأساة، أما موت الملايين فإحصائية”. وربما باختصار أكثر، يصبح الفقد القريب أثقل من كل الأعداد حين يُختصر في قلب نعرفه ويعرفنا.
قبل أن تقسو قلوبنا
مجزرة قانا 1996
في ظهيرة الثامن عشر من نيسان/أبريل 1996، لجأ أهالي بلدات قانا وجبال البطم وصديقين ورشكنانيه وحاريص والقليلة إلى مقر قوات الأمم المتحدة في قانا في جنوب لبنان. كان المكان بالنسبة إليهم أكثر من مركز دوليّ؛ كان مساحة يظنون أنها خارج دائرة القصف، حيث قد يوقف علم الأمم المتحدة الحرب، ولو موقتاً.
في ذلك اليوم، كانت إسرائيل تنفّذ عملية “عناقيد الغضب”، وكان المدنيون يهربون من القصف بحثاً عن أي مساحة أمان. تجمع مئات منهم داخل المقر، معتقدين أنهم ابتعدوا أخيراً عن الخطر.
لكن عند الثانية بعد الظهر تقريباً، سقطت القذائف على المكان نفسه.
خلال دقائق، تحوّل المقر إلى مشهد من الركام والصرخات. قُتل 106 مدنيين، وأصيب العشرات. بقيت صور ما بعد القصف وأصوات المسعفين والصحافيين محفورة في الذاكرة الجماعية اللبنانية. لاحقاً، اجتمع مجلس الأمن لمناقشة إدانة الهجوم، لكن القرار أُجهض باستخدام الفيتو الأميركي.

إيلان الكردي 2015
في فجر الثالث من أيلول/سبتمبر 2015، كانت عائلة الطفل السوري إيلان الكردي تحاول عبور البحر من تركيا نحو أوروبا، هرباً من الحرب وبحثاً عن حياة أكثر أماناً. انطلقت الرحلة من بودروم باتجاه جزيرة كوس اليونانية، لكن القارب لم يقطع المسافة وفق ما خُطط له.
بعد دقائق في البحر، انقلب القارب تحت أمواج قوية. انتهت الرحلة خلال لحظات قصيرة لم تترك مجالاً للفهم.
لاحقاً، عُثر على الطفل إيلان على شاطئ بودروم، ممدداً على وجهه. صورة واحدة كانت كافية لتحويله إلى رمز عالمي لمأساة اللاجئين، ولإعادة فتح نقاش واسع حول الهروب والحدود والنجاة.

محمد الدرة 2000
أما في غزة، فقد كان محمد الدرة طفلاً في الصف الخامس الابتدائي، يسير مع والده في شارع صلاح الدين خلال انتفاضة الأقصى عام 2000، حين فوجئا بإطلاق نار. احتميا خلف برميل إسمنتي، لكن الرصاص وصل إليهما.
أُصيب الأب، ثم أصيب الطفل محمد، الذي سُمع صوته يقول: “أصابوني”. وفي لحظات قصيرة، سقط بين ذراعي والده، في مشهد وثقته الكاميرات وبقي من أكثر الصور حضوراً في الذاكرة البصرية للصراع.

حين يتأخر الوجع
نعود إلى هذه المآسي، لكن يبدو أن ذاكرتنا القريبة أصبحت أقصر، كما لو أن قدرتنا على التفاعل مع الألم تتآكل تدريجياً، رغم أن الحاضر لا يبخل علينا بالمجازر والصور. ربما لم نصبح أكثر قسوة، بل أكثر إنهاكاً. وربما لم نفقد الإحساس، بل فقدنا القدرة على حمل هذا الكم من الألم في وقت واحد.
هكذا، نمرّ أمام الموت كما نمرّ على يوم عادي، نراه، نفهمه، ثم نكمل الطريق. اكتسبنا مهارة جديدة: أن نشيح بوجوهنا بعيداً عن كل ما يثقل الحياة، حتى وإن كان هذا الآخر ابن بلدنا أو قريبنا في الجغرافيا والوجع.
من منا لم يتعثّر أو يدعس”دعسة ناقصة”؟ ومن منّا لم يصدم يده بقوة، عن غير قصد، ثم واصل يومه بشكل طبيعي وكأن شيئًا لم يحدث؟ هكذا نحن؛ نحن شهود القتل واليُتم والدمار، نحن الصائمون عن الضعف. نحن من سنستفيق يوماً لنعي حجم ما فقدناه ومن خسرناه، فنغرق في بكاءٍ متأخر، ووجعٍ لا شفاء منه.
