كأس العالم 2026… حين تُسحق اللعبة تحت أقدام السوق
لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري في تكلفة حضور نهائيات كأس العالم 2026، على أنه “تضخم أسعار” أو “سوء إدارة”، إذ يمكن أن يمثل نموذجاً اقتصادياً مُحكماً، واضح المعالم، كما أنه قائم على تعظيم العائد إلى الحد الأقصى ولو على حساب جوهر اللعبة نفسها.
الفجوة بين خطاب “الوحدة” الذي حمله ملف الاستضافة عام 2018، والواقع الذي يتكشّف حالياً، ليست فجوة تنظيمية، بقدر ما هو فضيحة بنيوية تضرب في قلب فكرة كرة القدم كرياضة شعبية.
في وثائق الترشيح، كانت اللغة حالمة ومباشرة، فتضمنت عناوين إتاحة، شمول، أسعار معقولة، وتجربة جماهيرية مفتوحة، لكن ما يُطبَّق آنياً هو النقيض التام. فتفلتت الأسعار من أي منطق رياضي أو اجتماعي، التذكرة لم تعد وسيلة حضور، بل أداة فرز طبقي، فمن يملك المال يحضر، ومن لا يملك يُقصى… هكذا ببساطة.

التحوّل الأخطر ليس في الرقم، بل في الفلسفة، فاعتماد التسعير الديناميكي يعني أن المشجع لم يعد شريكاً في الحدث، بل هدف لخوارزمية. السعر يتغيّر وفق الطلب، التوقيت، السلوك، وحتى القدرة المتوقعة على الدفع، ويمكن القول أنه جرى استنساخ عقلية شركات النقل والتجارة الرقمية، وقد زُرعت في قلب كرة القدم، والنتيجة هي تجربة مُصمَّمة لاستخراج أكبر قدر ممكن من المال، لا لبناء ذاكرة جماعية.
ويرى محللون أن ” الاتحاد الدولي (فيفا) يستحوذ على كل الإيرادات تقريباً من التذاكر، البث، التسويق، وحتى مواقف السيارات، بينما تتحمل المدن المضيفة التكلفة الحقيقية من البنية التحتية، الأمن، والتنظيم”. وهذا ينظر إليه كأنه توصيف لنظام يخصخص الأرباح ويعمّم الخسائر، بأكثر صوره صراحة.
الأرقام والسياسات تؤكد ذلك، فالمدن تدفع لتوسيع شبكات النقل، لتعزيز الأمن، ولتهيئة الملاعب ومحيطها، بينما لا يتحمل”فيفا” سوى الحد الأدنى من المخاطر، وحين ترتفع تكلفة النقل أو الخدمات، لا تُمتص مركزياً، بل تُنقل مباشرة إلى الجمهور. هكذا تتحول الرحلة إلى الملعب، التي كانت جزءاً من متعة البطولة، إلى سلسلة من الفواتير.
ووفقاً لصحيفة “ليكيب” الفرنسية، من المتوقع أن يشهد بعض المدن الأميركية، خصوصاً في الساحل الشرقي، ارتفاعاً حاداً في أسعار المواصلات، بحيث قد تتجاوز تكلفة الرحلة بين مانهاتن وملعب “ميتلايف” حاجز 100 دولار، مقارنةً بنحو 13 دولارا في الظروف الطبيعية، رغم أن الملعب سيستضيف مباريات بارزة بينها النهائي.
وفي هذا السياق، يأتي تصريح حاكمة نيوجيرسيميكي شيريل إدانةً سياسية صريحة: “الفيفا لا يدفع شيئاً للنقل… صفر. وفي المقابل سيجني نحو 11 مليار دولار… عليه أن يتحمل هذه التكاليف”. هذا ليس خلافاً إدارياً، بل صراع على من يدفع ثمن “الحدث العالمي”. الجواب الحالي واضح: المدن والجماهير.
لكن المسألة لا تتوقف عند المال. ما كُشف عن جمع بيانات شخصية واسعة للعاملين، واحتمال مشاركتها مع جهات أمنية، يكشف طبقةً أخرى من هذا النموذج: السيطرة. البطولة لم تعد منصة ربح فحسب، بل أيضاً مساحة مراقبة وتنظيم مشدد، تُدار فيها الحشود كبيانات، لا كجماهير. الأمن هنا لا يحمي التجربة بقدر ما يعيد تشكيلها.
وإذا كان المال يعيد رسم المدرجات، فإن السياسة تعيد تشكيل الخلفية. بطولة رُوّج لها كرمز للتكامل بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تُقام في ظل توتراتٍ وتصريحات عدائية تقوّض فكرة “الوحدة” من أساسها. الشعار بقي، لكن مضمونه تبخّر. كرة القدم، مرة أخرى، تُستخدم كواجهة لما هو أبعد منها.
تتحول “الساحرة المستديرة” من مساحة انتماء إلى منتج فاخر، ومن تجربة جماعية شعبية إلى خدمة مُسعّرة بدقة. مونديال 2026 بات تتويجاً لنموذج يرى في المشجع محفظة، وفي المدينة مموِّلاً، وفي اللعبة مجرد منصة.
