العلوم والتكنولوجيا

مأزق السودان في مقامرة عبد الفتاح البرهان: بين أمن الخليج ومسيّرات إيران!

0 0
Read Time:3 Minute, 18 Second

ها نحن نعود ونكرر ما ظللنا نردده منذ بداية حرب السودان في نيسان/أبريل 2023، بأنها ليست مجرد نزاع عسكري على السلطة بين جيشين أو جنرالين، إنما هي – كما توضّحت الآن – مختبر سياسي شديد الخطورة، يُعيد إنتاج أسوأ كوابيس المنطقة.

في قلب هذا المعترك، يقف قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان متأرجحاً في منطقة رمادية قاتلة، محاولاً التوفيق بين استحقاقات البقاء العسكري وشروط القبول الإقليمي، وهذه معضلة تجعل من السودان منصة مفتوحة لرهانات أيديولوجية عابرة للحدود، تقودها الحركة الإسلامية السودانية (الإخوان) من خلف ستار المؤسسة العسكرية.

لا يكمن جوهر المأزق الذي يواجه البرهان اليوم في فوهات المدافع، بل في “نظام التشغيل” السياسي الذي اختاره لقيادة معركته. فالحركة الإسلامية (الإخوان) ليست مجرد حليف تكتيكي أملاه ظرف الحرب، إنما هي النخاع الشوكي الذي يغذي مفاصل الجيش حالياً، ويوفر له الحاضنة الأيديولوجية والكتلة البشرية المقاتلة عبر كتائبها ومليشياتها المسلحة، ومن خلال تنظيمها العسكري داخل الجيش الرسمي نفسه.

والحال كذلك، هذا الارتماء في أحضان “الإسلاميين” وضع البرهان في صدام مباشر مع التوجه الإقليمي والدولي، لا سيما مع دول الخليج العربي التي ترى في عودة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين المسنود بواسطة إيران إلى سدة الحكم في الخرطوم تهديداً استراتيجياً يتجاوز حدود السودان الجغرافية.

ما يُفاقم هذه الريبة هو دخول الطرف الإيراني على خط الأزمة. فالبرهان، تحت ضغط الحاجة الملحّة للسلاح والمسيّرات لتعويض خسائره الميدانية، فتح ثغرة استراتيجية لطهران في سواحل البحر الأحمر، ما يمثل طعنة في خاصرة الأمن الخليجي والإقليمي والعالمي.

 

صورة من الأرشيف لقوة من الجيش السوداني في القضارف، في شرق السودان. (أ. ف. ب)

صورة من الأرشيف لقوة من الجيش السوداني في القضارف، في شرق السودان. (أ. ف. ب)

 

يعكس هذا الارتباك الاستراتيجي الذي يمارسه البرهان حالة من اليأس العسكري؛ إذ كيف يمكن قائد جيش وطني أن يوازن بين طموحات إيران التوسعية وبين العمق الخليجي العربي الذي يمثل الرئة الاقتصادية والسياسية الوحيدة المتبقية للسودان؟

الحقيقة المُرّة هي أن البرهان أصبح أسيراً لمعادلة صفرية: التخلي عن التيار الإسلامي (الإخوان) المدعوم من إيران يعني انتحاراً عسكرياً بمفهومه الضيق، والتمسك بهما يعني عزلة دولية وتحول السودان إلى منبوذ إقليمي يسير على خطى الأنظمة الثيوقراطية الفاشلة، على النحو الذي يسير إليه الآن.

وعلى الرغم من محاولات البرهان الدؤوبة لتسويق نفسه زيفاً كقائد قادر على لجم الطموحات الإسلاموية، بمسرحيات الاعتقالات الصورية لبعض الكوادر أو التصريحات التي تداعب آذان الغرب، فإن الواقع على الأرض يكشف زيف هذه المناورات. فالإسلاميون لم يعودوا مجرد ضيوف على مائدة الجيش، بل هم الطباخون الفعليون للقرار العسكري والسياسي.

هذا الاختراق الممنهج للمؤسسة العسكرية ينسف أي إمكانية لبناء ثقة دولية، ويحوّل البرهان -كما هو في الحقيقة- إلى مجرد واجهة شرعية لنظام “الإنقاذ” البائد في نسخته الثانية، وهو ما يفسر نفاد صبر المجتمعين الإقليمي والدولي، وتوالي العقوبات التي تستهدف المحركين الفعليين للحرب من قادة التيار الإسلامي.

إن خطورة هذا المشهد تكمن في أن استمرار الحرب هو مصلحة حيوية للحركة الإسلامية، التي تجد في دخان المعارك غطاءً للعودة إلى الحكم مرة أخرى، وتصفية الخصوم المدنيين الساعين إلى نظام مدني ديمقراطي يسع السودانيين جميعاً.

وفي المقابل، يجد البرهان نفسه يغرق في فخ الولاء؛ فكلما ازداد اعتماده على الميليشيات المؤدلجة الممولة من إيران، تآكلت مهنية الجيش القومي، وتلاشت فرص التسوية السياسية.

إن على المجتمع الدولي أن يدرك اليوم بأن الأزمة السودانية ليست صراعاً بين جيش ودعم سريع، كما يظهر على السطح، بل هي صراع لاستعادة الدولة من براثن تنظيم أيديولوجي اختطف المؤسسة العسكرية وجعل منها درعاً لحماية طموحاته العابرة للحدود.

إن على البرهان أن يواجه لحظة الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها عبر لعبته المفضلة “على الحبلين”. فالسودان لا يمكن أن يُحكم بعقلية التنظيمات السرية في عصر التحولات الكبرى. وإذا ما استمر في جعل السودان جسراً لوجستياً لإيران وحاضنة لفلول النظام البائد، فإنه لا يقود الجيش نحو الانتصار، بل يقود الدولة نحو التحلل الشامل.

والسؤال الذي يطرحه العقل والواقع اليوم: لحساب من يحكم البرهان حقاً؟ هل لحساب استقرار السودان، أم لحساب أجندة “الإخوان” التي لا ترى في الوطن سوى قاعدة انطلاق، وفي الجيش سوى أداة للقمع والبقاء؟

الإجابة تكمن في أن أي تسوية لا تبدأ بتطهير المؤسسة العسكرية من نفوذ التيار الإسلامي وقطع دابر التدخل الإيراني، هي مجرد تأجيل لانفجار أكبر سيحرق ما تبقى من أمل في استعادة السودان.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *