العلوم والتكنولوجيا

من هرمز إلى إسلام آباد: طريق متعرّج نحو تسوية تاريخية

0 0
Read Time:3 Minute, 51 Second

حسن درغام

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي حيوي، بل بات مرآة مباشرة لتوازنات تتجاوز الشرق الأوسط، وتتخطى الاشتباك القائم بين واشنطن وطهران. فعند هذا الشريان الذي يمرّ عبره أكثر من 20% من نفط العالم، لا يمكن اختزال مشهد الفتح والإغلاق، وحصار الموانئ، واستهداف ناقلات النفط، بمجرد تحسين شروط تفاوضية أو فرض إملاءات سياسية. ما يجري أعمق من ذلك بكثير.

إنه جزء من إعادة ترتيب جيوسياسي أوسع يقوده دونالد ترامب، من فنزويلا ونفطها وصولاً إلى مضيق هرمز، في محاولة لتجميع أوراق القوة المرتبطة بالطاقة وممراتها، في مواجهة تمدد الصين الهادئ نحو صدارة الاقتصاد العالمي.

من هنا، يستبعد كثيرون العودة إلى حرب شاملة، في ظل ازدحام الداخل الأميركي باستحقاقات كبرى، من الانتخابات النصفية إلى الاستعداد لكأس العالم، إضافة إلى زيارة مرتقبة إلى بكين خلال الأسابيع المقبلة، للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ.

في هذا السياق، تعود إلى الواجهة تحذيرات هنري كيسنجر المبكرة من صعود الصين، حيث كتب في World Order أن “صعود الصين ليس حدثاً عابراً، بل تحوّل بنيوي في ميزان القوى العالمي”.

وهي القراءة التي دفعت ريتشارد نيكسون إلى زيارته التاريخية إلى بكين عام 1972 ولقاء ماو تسي تونغ، في لحظة أعادت رسم التوازنات الدولية. اليوم، تعود واشنطن إلى بكين مع زيارة مرتقبة لدونالد ترامب، في مشهد يبدو كأنه استكمال لدورة جيوسياسية لم تُقفل فصولها بعد.

لكن سيناريو التصعيد عاد ليفرض نفسه، بعدما تبددت أجواء التفاؤل التي روّجت لها تغريدات ترامب عن اتفاق تاريخي مع طهران. وفي موازاة ذلك، تقود باكستان وساطة حساسة عبر قائد جيشها عاصم منير، الذي تنقّل بين طهران وواشنطن والرياض، من دون تحقيق اختراق حاسم حتى الآن، خصوصاً في ملف تخصيب اليورانيوم.

غير أن المشهد لا يُفهم فقط من زاوية هرمز أو طهران… بل من لبنان أيضاً.

ففي تطور غير مسبوق، انطلق مسار تفاوضي أولي بين لبنان وإسرائيل على مستوى السفراء، برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق الجبهة الجنوبية إلى مواجهة شاملة. إلا أن هذا المسار يصطدم بانقسام داخلي واضح: ففي مقابل خطاب الدولة الذي عبّر عنه جوزاف عون، الداعي إلى تثبيت منطق السيادة وحصر القرار العسكري، يبرز خطاب مغاير لـ”حزب الله” على لسان أمينه العام نعيم قاسم، يربط لبنان مباشرة بمحور المواجهة الإقليمية، ما يعمّق هشاشة الوضع الداخلي.

ميدانياً، يتكرّس واقع جديد على الحدود: شريط فاصل بعمق يقارب 10 كيلومترات، و55 قرية جنوبية تحت قيود صارمة، في مشهد يستحضر نموذج “الخط الأصفر” في غزة، ويؤسس لمرحلة أمنية مفتوحة على احتمالات متعددة. وفي الداخل الإسرائيلي، يتصاعد التوتر مع اقتراب الأربعاء، الموعد الأخير للمهلة التي حدّدها ترامب، ما دفع بنيامين نتنياهو إلى الدعوة لاجتماع الكابينت المصغّر لبحث سيناريوهات “اليوم التالي”، بين التصعيد أو احتواء الانفجار.

اقتصادياً، لا يقل المشهد اضطراباً. فبحسب The Economist، فإن فتح المضيق لم ينهِ الفوضى في أسواق الطاقة. وفي موازاة ذلك، تتحرك الأسواق على إيقاع التصعيد: أسعار خام برنت لم تعد تعكس العرض والطلب بقدر ما تعكس احتمالات الحرب، حيث يكفي تهديد بإغلاق المضيق أو استهداف ناقلة لرفع الأسعار فوراً، في سوق بات يُسعِّر الخطر أكثر مما يُسعِّر النفط نفسه.

في المقابل، تواصل واشنطن رفع سقف التهديد، فيما تكشف تقارير The Wall Street Journal عن تردد في الذهاب إلى مواجهة مفتوحة. هذا التناقض يُقرأ بمنطق Game theory: رفعٌ محسوب للمخاطر حتى حافة الانفجار، من دون السقوط فيه — حيث يتحوّل التهديد بالحرب إلى أداة لإدارتها لا لوقوعها.

لكن الكلفة في لبنان لم تعد نظرية. أكثر من 2000 شهيد، ما يزيد على 7000 جريح، ونحو مليون ومئتي ألف نازح، إضافة إلى دمار واسع وغير مسبوق في القرى الجنوبية والضاحية الجنوبية لبيروت، حيث سُوِّيت بلدات بأكملها بالأرض، وتضررت البنى التحتية بشكل عميق، في مشهد يطرح أسئلة قاسية حول قدرة الدولة على إعادة الإعمار.

في الخلفية، يبرز طرح الإفراج عن نحو 20 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة مقابل تنازلات نووية، ما يحوّل الملف إلى صفقة مالية–سياسية شاملة.

لكن الأخطر أن لبنان لم يعد ينتظر نتائج التفاوض… بل أصبح جزءاً منه. لبنان لم يعد فقط ساحة تأثر… بل أداة ضغط.

وما بين رئيس أميركي يرفع سقف التهديد إلى أقصاه، ونظام إيراني يتمسّك بخطوطه الحمر وهو يفاوض، يتشكّل مسار متعرّج من الضغوط المتبادلة: تصعيدٌ محسوب لانتزاع تنازلات، وصمودٌ مدروس لمنع الانكسار.

في هذا المشهد، لا تبدو الحرب هدفاً بحد ذاتها، بل أداة ضغط ضمن عملية تفاوضية مفتوحة، حيث يُستخدم التهديد بها لتفاديها.

وفي خلفية هذا الاشتباك، يلوح احتمال صفقة كبرى وتسوية تاريخية يحتاجها الخصمان داخلياً قبل الخارج، لإنهاء ما يقارب خمسين عاماً من العداء بين واشنطن وطهران، إذا ما التقت شروط اللحظة السياسية مع توازنات القوة على الأرض.

ليست حرباً تُحسم… ولا سلاماً وُلد بعد، بل طريق متعرّج قد يقود، للمرة الأولى، إلى تسوية تاريخية.

حسن درغام، مهندس وكاتب سياسي.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *