FT :”قانون الغاب” يحكم التجارة العالمية والدول الصغيرة والمتوسطة هي الضحايا
نشرت صحيفة “فاينانشال تايمز” تقريراً ناقشت فيه الوضع الحالي للتجارة العالمية، موضحة أن الصين والولايات المتحدة هما المستفيدتان الرئيسيتان في نظام اقتصادي يتسم بـ”قانون الغاب”، بينما تواجه الدول الصغيرة والمتوسطة خسائر كبيرة.
وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته “عربي 21“، إن وزير التجارة الصيني، وانغ وينتاو، ظهر هذا الأسبوع في العاصمة الكاميرونية ياوندي خلال اجتماع منظمة التجارة العالمية، ليس لبيع الآلات هذه المرة، بل للتسويق لمفهوم أكثر تعقيداً وهو “الاستقرار في عالم متصدع”.
اظهار أخبار متعلقة
وأشارت الصحيفة إلى أنه في وقت يواصل فيه دونالد ترامب تقويض النظام التجاري متعدد الأطراف عبر فرض رسوم جمركية شاملة، حذّر وانغ الوفود المشاركة من أن غياب قواعد منظمة التجارة العالمية سيعيد النظام التجاري العالمي إلى قانون الغاب حيث تسود الغلبة للأقوى.
وأضافت الصحيفة أن الدبلوماسية الصينية تبرع في تقديم مثل هذه المبادئ المثالية بجدية تامة، وهو ما يثير حفيظة ممثلي الحكومات التي تعاني من عجز تجاري هائل لصالح الصين، حيث وصف أحد الدبلوماسيين الغربيين في ياوندي هذا الخطاب بأنه نوع من التضليل النفسي المتعمد.
وتبقى استراتيجية الصين أكثر دهاءً من مجرد إثارة غضب نقادها الغربيين؛ فبينما تتصرف الولايات المتحدة حالياً مثل الفيل الذي يحطم حواجز التجارة العالمية القديمة، تقدم الصين نفسها في صورة النمر: هادئة ومتخفية، لكنها لا تتردد في استخدام مخالبها عند الضرورة.
وأفادت الصحيفة أن الصين تتمسك علنًا بالنهج الوسطي، حيث جاءت مداخلاتها في مؤتمر وزراء منظمة التجارة العالمية، الذي يُعد الفرصة الأخيرة لإنقاذ المنظمة من التهميش، هادئة وبناءة بشكل ملحوظ.
لكن هذا النظام، وكما ترى إدارة ترامب بحق، قد فشل بوضوح في معالجة قضايا فائض الإنتاج والدعم الحكومي الصيني منذ انضمام بكين للمنظمة عام 2001.
وأشارت الصحيفة إلى أن الدعم الصيني حقيقة ملموسة، وغالبًا ما يتم عبر “قروض ميسرة” لا تشملها القواعد الحالية للمنظمة العالمية. ووفقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن هذا الدعم يتجاوز مستويات الدول الأعضاء الأخرى بنحو ثلاث إلى تسع مرات.
ووصف مسؤول أمريكي بارز في ياوندي الادعاءات الصينية بالالتزام بالقواعد بأنها “مثيرة للسخرية”، متسائلاً بتهكم عما إذا كانت الصين حقًا تلتزم بالقوانين وتتجنب “قانون الغابة” كما تدعي.
وأوضحت الصحيفة أنه على نقيض اللهجة الهادئة التي تبناها الوزير الصيني، استهل ممثل التجارة الأمريكي، جاميسون غرير، كلمته في ياوندي بإنذار شديد اللهجة، محذراً من أن الوضع الراهن أصبح “غير قابل للاستمرار اقتصادياً ومرفوضاً سياسياً”.
وتابعت الصحيفة أن غرير وضع الوزراء أمام تحدٍ صريح: فإما تثبيت قرار حظر فرض الرسوم الجمركية على التحويلات الإلكترونية -المعمول به منذ 28 عاماً- أو القبول بحقيقة أنه “لا يمكن لأحد أن يتوقع من المنظمة تحقيق نتائج ملموسة في قطاعات أخرى” في حال الفشل في ذلك.
وأفادت الصحيفة أن منظمة التجارة العالمية فشلت بالفعل في هذا الاختبار، إذ انتهى مفعول “الحظر الخاص بالتجارة الإلكترونية” ولم يتم اعتماد خارطة طريق للإصلاح، وهي الخارطة التي كان من شأنها -نظرياً على الأقل- تعزيز آليات المنظمة للتصدي للدعم غير العادل.
ورغم أن هذا الوضع بعيد عن المثالية، إلا أن السمة الأبرز لهذه “الغابة” الجديدة هي أن القطبين الكبيرين في الاقتصاد العالمي، اللذين لا يرغبان في أن تقيدهما المؤسسات الدولية، هما الأكثر استفادة وازدهاراً في عالم لا يعترف إلا بسيادة القوة.
وذكرت الصحيفة أن الضحايا الحقيقيين لهذا الصراع هم الدول الصغيرة والنامية، بل وحتى القوى المتوسطة كبريطانيا وفرنسا، حيث وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الوضع بأنه “اختلالات غير محتملة” في التجارة العالمية، خاصة في قطاعات الصلب والتكنولوجيا الخضراء.
ويواصل الفائض التجاري الصيني التضخم رغم تراجع صادرات بكين إلى الولايات المتحدة بنسبة 30 بالمئة تقريبًا منذ عودة ترامب، وقد أصبحت أسواق جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأوروبا هي التي تستوعب هذا الفائض.
اظهار أخبار متعلقة
وقال وزير الأعمال والتجارة البريطاني بيتر كايل إن تصحيح هذا الوضع لن يتم إلا بطريقتين: إما عبر فرض تعريفات جمركية للحماية، أو بانتزاع فرص للوصول إلى السوق الصينية لتحقيق التوازن، مشددًا على أن هذا هو العالم الذي ندخله الآن.
بالنسبة للدول الأصغر، فإن الأمر أصعب؛ فقد عبر سفير باربادوس لدى المنظمة ماثيو ويلسون عن خيبة أمله ومخاوفه من أن كل ضربة يتلقاها النظام التجاري متعدد الأطراف تزيد من هشاشة الاقتصادات الصغيرة وضعفها.
واختتمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن المبادئ التأسيسية لمنظمة التجارة العالمية، القائمة على المعاملة المتساوية وحماية الأقل قوة، بدأت تتلاشى بوضوح، وهو الواقع الذي تأكد بشكل قاسٍ خلال اجتماعات ياوندي نهاية هذا الأسبوع.
