اقتصاد

من هم الرابحون والخاسرون اقتصاديًا في الحرب ضد إيران؟

0 0
Read Time:4 Minute, 54 Second

نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريرًا حواريًا ناقش فيه نائب رئيس تحرير المجلة “كاميرون أبادي”، وكاتب العمود ومدير المعهد الأوروبي في جامعة كولومبيا آدم توز، تساؤلات حول مستقبل النموذج الاقتصادي لدول الخليج، وما إذا كان مهددًا بفعل عدم الاستقرار الأمني. 

وتطرق الحوار الذي ترجمته “عربي21″، إلى الحديث عن استفادة الصين من التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة، وعن انعكاسات الحرب على الاقتصاد الأمريكي.

وذكر الحوار أن جزءًا ضخمًا من الوقود الأحفوري المستهلك عالميًا كان يمر عبر مضيق هرمز قبل اندلاع الحرب مع إيران، بما في ذلك 34 بالمئة من النفط الخام، و19 بالمئة من الغاز الطبيعي المسال، و16 بالمئة من المنتجات النفطية المكررة. 

ومع استمرار الحرب، يظل السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان الخليج سيبقى مركزًا محوريًا للاقتصاد العالمي بعد انتهائها. وبينما يواجه العالم اضطرابات آنية، بدأت ملامح الخاسرين والرابحين على المدى الطويل في الظهور.

اظهار أخبار متعلقة


وبسؤاله عن مدى تهديد الحرب للنموذج الاقتصادي الخليجي القائم على الخدمات المتقدمة وجذب رأس المال البشري الدولي، أوضح آدم توز أن دبي، رغم شهرتها السياحية لدى الأوروبيين، لا تعتمد على السياحة إلا بنسبة لا تتجاوز 10 بالمئة من الناتج المحلي. وأكد أن جوهر اقتصادها يقوم على الخدمات المصرفية والتجارة والتمويل والعقارات، وأن هذه القطاعات ستتأثر بالصدمة.

ووفق توز فإن الحديث عن انهيار كامل مبالغ فيه، وتقليل من شأن الدور المركزي الذي تلعبه دول الخليج؛ فهي مراكز اقتصادية تتمتع بقدرة على الصمود وتظل عُقدُا أساسية في شبكة الاقتصاد العالمي، مؤكدًا أن الطلب على النفط والغاز لن يختفي قريبًا، وأن إعادة فتح مضيق هرمز ستعيد تدفق الطاقة بتكلفة تنافسية، مشيرًا إلى أن التأثير المباشر سيكون قاسيًا على العمالة المهاجرة، لكنه لا يتوقع تغييرًا دائمًا في مسار التنمية في دول الخليج.

وطرح الكاتب سؤالًا حول مدى صحة توصيف الباحث نيلز غيلمان للحرب باعتبارها جزءًا من “حرب باردة استقلابية” بين دول نفطية وأخرى تتبنى سياسات تدعم الطاقة المتجددة، فأجاب توز بأن التمييز بين “الدول النفطية” و”الدول الكهربائية” مهم لكنه يحتاج إلى تدقيق؛ فالدول النفطية هي تلك التي تعتمد بشكل كبير على عائدات الوقود الأحفوري، مثل روسيا ودول الخليج، بينما الولايات المتحدة منتج ضخم لكنها لا تعتمد عليه بشكل كامل.

وأوضح توز أن ما يميز هذه الدول هو قدرتها على التحكم في الطلب الداخلي؛ فالولايات المتحدة تمتلك سوقاً ضخمة قادرة على امتصاص الإنتاج، بينما روسيا ودول الخليج تعتمد على التصدير، ما يجعلها عرضة لتقلبات الطلب العالمي. لذا فإن الإستراتيجية طويلة المدى في هذه الدول تقوم على المنافسة عبر الأسعار والجودة، مع وجود اهتمام متزايد بتنويع بقية قطاعات الاقتصاد والاستثمار في الطاقة المتجددة، وهذا ما تقوم به جميع دول الخليج.

وتابع توز مبينًا أن تأطير الحرب كمحاولة لإعادة تشكيل توازن القوى داخل معسكر الدول النفطية أمر مستبعد، والتفسير الأكثر ترجيحًا هو أن واشنطن تُستَخدم لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في لعبة سياسية مرتبكة؛ حيث تتداخل مصالح بعض القوى الأميركية مع أهداف إسرائيلية، من دون وجود إستراتيجية أميركية متماسكة، ما يعني أن ما يجري هو أقرب إلى “جيوسياسة استعراضية” متخبطة على طريقة ترامب، تستغلها بعض القوى الأميركية التي كانت تسعى منذ زمن إلى مواجهة مع إيران، بينما يرى نتنياهو في استمرار هذه الحرب مكاسب محتملة لإسرائيل.

وبسؤاله عن إمكانية أن تكون الصين المستفيد الأكبر من أزمة الطاقة الراهنة، أكد توز صحة هذا الافتراض، مشيرًا إلى الأزمة الحالية لا تمثل إعلانًا لصالح الاعتماد على الوقود الأحفوري، بل على العكس، فهي تكشف هشاشته.

وأوضح توز ما يسميه الاقتصاديون “تأثير المنحنى J”، حيث يتعرض الاقتصاد لصدمة في البداية، مما يؤدي إلى تغير السلوكيات على المدى الطويل. لكن على المدى القصير، ترتفع أسعار النفط والغاز وينصب الاهتمام عليها، مما يوحي بأن العالم لا يزال غارقًا في الاعتماد عليها. لكن في المدى المتوسط، يصبح التحول إلى الطاقة المتجددة أكثر واقعية.

وشدد على أن الأسواق بدأت بالفعل تراهن على هذا التحول، إذ أن المكاسب الكبرى لم تتحقق لشركات النفط التقليدية فقط، بل لشركات الطاقة الخضراء الصينية، وعلى رأسها منتجي البطاريات الذين يشكلون محور الانتقال إلى الكهرباء النظيفة. وأوضح أن شركات مثل “كاتل” و”بي واي دي” حققت قفزات ضخمة في قيمتها السوقية، حيث ازدادت قيمة هذه الشركات عشرات المليارات من الدولارات، مما يعكس توقعات الأسواق بأن المستقبل سيكون للطاقة المتجددة.

اظهار أخبار متعلقة


وبسؤاله عن انعكاسات الحرب على الاقتصاد الأميركي، أجاب توز بأن الأمر يتعلق أساسًا بتوزيع المكاسب والخسائر داخل الولايات المتحدة. فالدول المستوردة للطاقة، سواء كانت غنية أو فقيرة، تتعرض لخسائر صافية عند ارتفاع الأسعار، وهو ما يسمى “تأثير شروط التبادل التجاري”، حيث تصبح الصادرات أقل قدرة على شراء الواردات، ما يضر بالناتج المحلي الإجمالي وقد يقود إلى ركود.

وأشار إلى أن أوروبا تكبدت خسائر بين 2 و3 بالمئة من الناتج المحلي خلال أزمة أسعار الغاز عامي 2022 و2023، فيما أدت الأزمة في دول فقيرة مثل باكستان وأجزاء من آسيا إلى توقف أنشطة اقتصادية كاملة.

أما في الولايات المتحدة، فالوضع مختلف لأنها منتج ومصدر كبير للطاقة، مما يؤدي إلى ربح بعض القطاعات وخسارة قطاعات أخرى، وعلى الصعيد الإجمالي، قد يستفيد الناتج المحلي الأميركي، لكن حجم هذا التأثير غير مؤكد كما هو الحال مع سياسة التعريفات الجمركية للرئيس دونالد ترامب.

وأوضح توز أن الأسواق الأميركية تشهد ممارسات مثيرة للجدل، مثل المضاربات في عقود النفط المستقبلية بناءً على تسريبات مرتبطة بمنشورات الرئيس على منصات التواصل، وهو ما يخلق حالة من الفوضى ويجعل الاستثمار طويل الأجل في قطاع النفط الأميركي غير مستقر.

وأضاف أن المزاج ليس إيجابيًا في مراكز إنتاج الطاقة مثل هيوستن لأن المكاسب لا تعني شيئًا ما لم تكن طويلة الأمد. وأكد أن الإدارة الأميركية لا يمكن أن تدعم بشكل متعمد استمرار ارتفاع أسعار النفط لأن ذلك يضر بالمستهلكين الأميركيين رغم أن ارتفاع الأسعار قد يفيد بعض المنتجين، فإن المستهلكين يخسرون، حتى وإن كانت خسائرهم أقل مما كانت عليه في الماضي بفضل تحسن الكفاءة في استخدام الطاقة وتراجع الوزن النسبي للطاقة في ميزانيات الأسر.

وختم توز التقرير بالقول إن الطاقة لم تعد العامل الحاسم في الاقتصاد الأميركي كما كانت في السابق، لكنها لا تزال تحتل مكانة كبيرة في الوعي الشعبي والسياسي. ومع ذلك، فإن الحديث عن سياسة أميركية متعمدة لإبقاء الأسعار مرتفعة لا يعدو كونه “خطابًا فارغًا” من الرئيس الأمريكي، وليس سياسة فعلية.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *