هل يُغيّر الذكاء الاصطناعي طريقتنا في الحديث؟
*نانسي بدران
يشهد أسلوب تواصل بعض مستخدمي الأدوات الذكية تحوّلاً تدريجياً مع الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التفاعلية. ولم يعد هذا التحوّل مقتصراً على طبيعة المهمات التي ينجزونها بمساعدة هذه الأدوات، بل بدأ يمتد أيضاً إلى طريقة صياغة اللغة واختيار المفردات.
فمع الاعتياد على مخاطبة الأنظمة الذكية، يظهر نمط لغوي جديد يتسم بالاختصار والمباشرة والتركيز على النتائج. ومن موقع أكاديمي يتأمل في علاقة اللغة بالسلوك الاجتماعي، أرى أن هذا التحول يستحق وقفة تحليلية جادة، لأنه قد يعيد تشكيل أساليب تواصلنا مع الآخرين بقدر ما يعيد تشكيل علاقتنا بالتقنية.
عند التفاعل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يتجه معظم المستخدمين إلى لغة مقتضبة خالية من المجاملات أو التمهيد. لا تحيات ولا تردد ولا التفاف لغوياً، بل تعليمات مباشرة تهدف إلى إنجاز مهمة محددة بأسرع وقت ممكن. ومع مرور الوقت، يصبح هذا الأسلوب هو القاعدة في التعامل مع الآلة، لأنه الأكثر فاعلية في الحصول على نتائج دقيقة. غير أن هذا الاعتياد المتكرر على الخطاب الآمر قد لا يبقى محصوراً في حدود العلاقة مع التقنية، بل قد يتسلل تدريجاً إلى طريقة تعاملنا مع البشر.
السبب في ذلك أن الأنظمة الذكية تكافئ الوضوح والدقة. فهي تستجيب بصورة أفضل عندما تكون الطلبات محددة وخالية من الغموض. وسرعان ما يتعلم المستخدمون أن تحسين صوغ التعليمات يؤدي إلى أداء أفضل. هذا التكيف اللغوي يبدو طبيعياً في سياق إنجاز المهمات، إلا أن اللغة لا تعمل كأداة عملية فحسب، بل تؤثر في طريقة التفكير والتنظيم الذهني. فعندما يمارس الإنسان يومياً أسلوباً لغوياً قائماً على الأوامر والنتائج، قد يتشكل لديه نمط ذهني يميل إلى الحسم والسرعة والاختزال، وهو نمط قد لا يكون مناسباً دائماً في العلاقات الإنسانية.
فالتواصل بين البشر ليس عملية تقنية تُنجز بكفاءة فحسب، بل تجربة اجتماعية معقدة تتضمن العاطفة والتردد والتفاهم التدريجي. وغالباً ما يحتاج الحوار الإنساني إلى وقت وصبر واستعداد لتقبل الغموض وسوء الفهم أحياناً. وإذا اعتاد الفرد لغة سريعة ومباشرة ومتمحورة حول الإنجاز، فقد يجد نفسه أقل تحملاً لهذا التعقيد البشري. فالذكاء الاصطناعي يستجيب فوراً بدقة ومن دون احتياجات أو مشاعر، بينما يحتاج البشر إلى تفاعل أعمق قائم على الاهتمام المتبادل.
إن الاستجابة الفورية الخالية من الاحتكاك التي توفرها الأنظمة الذكية قد تعيد تشكيل توقعات المستخدمين من الآخرين. فمع الوقت، قد يصبح البطء في الرد أو الغموض في التعبير أو التردد في اتخاذ القرار أموراً مزعجة أكثر مما كانت عليه في السابق. كما أن الاعتماد المتزايد على المساعدة الرقمية قد يرتبط لدى بعض المستخدمين بانخفاض مستوى التفاعل الاجتماعي الواقعي أو الشعور بمسافة أكبر في العلاقات. ورغم أن هذه الملاحظات لا تعني بالضرورة وجود علاقة سببية مباشرة، فإنها تشير إلى احتمال انتقال العادات التي تتكون في البيئة الرقمية إلى المجال الاجتماعي.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع هذه الظاهرة بمنطق التحذير المطلق. فالذكاء الاصطناعي يوفر أيضاً مزايا حقيقية لكثير من المستخدمين، ولاسيما منهم أولئك الذين يجدون صعوبة في تنظيم أفكارهم أو التعبير عن احتياجاتهم بوضوح. فقد يساعدهم التدريب على الصياغة الدقيقة والمباشرة لتحسين قدرتهم على التواصل وإدارة الوقت واتخاذ القرار. كما يمكن، عند استخدامه بوعي، أن يساهم في تعزيز مهارات التعبير الواضح والمتزن، بدلاً من إضعافها.

تكمن المسألة إذن في كيفية استخدام هذه الأدوات لا في وجودها بحد ذاته. فإذا أصبح الذكاء الاصطناعي نموذجاً للخطاب الآمر السريع، فقد ينعكس ذلك سلباً على علاقاتنا الإنسانية. أما إذا استُخدم وسيلة لتنظيم التفكير وتحسين التعبير مع الحفاظ على الحس الإنساني، فقد يضيف بعداً إيجابياً إلى مهارات التواصل. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في تعلم كيف نوجّه التعليمات إلى الآلة فحسب، بل في إدراك اللحظة التي ينبغي فيها التخلّي عن هذا الأسلوب عند التعامل مع البشر.
إن العلاقات الإنسانية بطبيعتها بطيئة ومعقدة ومليئة بالمشاعر والتوقعات غير المتوقعة. ولا تستجيب هذه العلاقات للغة الأوامر بقدر ما تستجيب للاهتمام والصبر والإنصات. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي إلينا من كفاءة وسرعة، بل كيف يؤثر في الطريقة التي ننظر بها إلى الآخرين ونتواصل معهم. ففي زمن تتزايد فيه سرعة التفاعل الرقمي، يصبح الحفاظ على عمق التواصل الإنساني مسؤولية واعية تتطلب توازناً بين الوضوح التقني والحس الاجتماعي.
*الدكتورة نانسي بدران ،مهندسة حلول الحوسبة للمشاريع السحابية في الحكومة الفيدرالية – أوتاوا، كندا
