هل ينقذ “اليورو الرقمي” أوروبا من هيمنة “فيزا وماستر كارد” الأمريكيتين؟
مع تزايد التوترات الجيوسياسية وخشية المسؤولين الأوروبيين من أن يتحول النفوذ المالي إلى أداة ضغط قد تهدد الاستقرار الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، حذر قادة القطاع المصرفي الأوروبي من الاعتماد على هيمنة شبه كاملة لشركتي فيزا وماستركارد الأمريكيتين على سوق المدفوعات في القارة.
حيث تعتمد أوروبا على “فيزا وماستركارد” لما يقرب من ثلثي جميع مدفوعات بطاقات اليورو، وفق بيانات البنك المركزي الأوروبي لعام 2022، فيما لا تمتلك 13 دولة أوروبية بديلاً محلياً مؤثراً لبطاقات فيزا وماستركارد، وهو ما يعتبره المسؤولون خطراً كبيراً، يمكن استخدامه ضد أوروبا إذا انهارت العلاقات مع الولايات المتحدة.
عبئ مالي خطير يمس سيادة القارة
على إثر ذلك، حذرت الرئيسة التنفيذية لمبادرة المدفوعات الأوروبية، مارتينا ويمرت، من اعتماد أوروبا الكبير على أنظمة الدفع عبر شركتي فيزا وماستركارد، وقالت في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز إن أوروبا لديها بطاقات دفع محلية جيدة، لكن “ليس لدينا أي شيء عابر للحدود”.
„Der digitale Euro ist nichts anderes als ein Mittel der politischen Repression. Wenn Sie ein Abweichler sind, dann kann Ihnen das gesperrt werden. Und man kann Ihnen Vermögenswerte wegnehmen. Man kann sie einfach konfiszieren, wenn sie nur noch elektronisch vorhanden sind.“ pic.twitter.com/fEJEdru1lb— Alice Weidel (@Alice_Weidel) December 29, 2025
وأضافت مارتينا أن العديد من البنوك والمتاجر تدرك بالفعل حاجتها إلى حل حقيقي عابر للحدود، ومع احتدام الأوضاع السياسية العالمية، أضافت أن هذا الموضوع “أصبح حديث الساعة”.
اظهار أخبار متعلقة
وأشار تقرير الفايننشال تايمز البريطانية إلى أن التفرد الأمريكي في البنية التحتية للمدفوعات الرقمية لم يعد مجرد مسألة سوقية، بل بات مصدر قلق مؤسسي متزايد، إذ ترى عواصم أوروبية أن هذا الاعتماد المفرط يمثل “عبئًا ماليًا خطيرًا” يمس سيادة القارة.
وفي خطاب ألقاه مؤخرًا، حذّر ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، قائلًا: “أدى التكامل العميق إلى خلق تبعيات يمكن استغلالها عندما لا يكون جميع الشركاء حلفاء”.
We need to act now. If we waste time, our dependence on non-European payment providers will deepen, Executive Board member Piero Cipollone tells @cnainenglish.We need a digital euro for Europe’s strategic autonomy and resilience https://t.co/NrRSb5X5r7 pic.twitter.com/ZvI53Xh1eK
— European Central Bank (@ecb) February 8, 2026
وأضاف: “لقد تحوّل الترابط، الذي كان يُنظر إليه في السابق كمصدر لضبط النفس المتبادل، إلى مصدر للنفوذ والسيطرة”، في إشارة إلى سياسة الرئيس الأمريكي ترامب تجاه أوروبا والتي توصف أحيانًا بأنها ابتزاز سياسي واقتصادي.
ما مدى حجم النفوذ؟
تكشف الأرقام عمق النفوذ الفعلي، فبحسب بيانات “ستاتيستا وذا نيلسون ريبورت”، بلغ عدد عمليات الشراء عبر بطاقات الدفع عالمياً في 2024 نحو 293.5 مليار عملية، في مؤشر على الاتساع غير المسبوق لسوق المدفوعات الرقمية.
وتصدرت ماستركارد القائمة بـ191.5 مليار عملية، تلتها أمريكان إكسبرس بـ13.2 مليار عملية، في حين بلغ إجمالي عمليات الشراء بمختلف بطاقات الدفع قرابة 1.1 تريليون عملية، أما من حيث القيمة، فقد وصل إجمالي المدفوعات المنفذة عبر البطاقات إلى نحو 45.5 تريليون دولار، وفق بيانات داتوس إنسايتس.
وتظهر الإحصاءات أن 40% من العمليات التجارية عالمياً تتم عبر شبكة فيزا، في حين تستحوذ فيزا وماستركارد مجتمعتيْن على نحو 65% من المعاملات التجارية في أوروبا خلال 2024، بحسب البنك المركزي الأوروبي.
اليورو الرقمي لوقف الهيمنة الأمريكية
تسعى منظمة “EPI” جاهدةً لوقف هيمنة التكنولوجيا الأمريكية، ففي عام 2024، أطلقت المنظمة تطبيق “Wero”، وهو تطبيق دفع رقمي يعمل بشكل مشابه لخدمة “Apple Pay”.
حتى الآن، يضم التطبيق 48.5 مليون مستخدم في بلجيكا وفرنسا وألمانيا، إلا أنه لا يعمل في جميع أنحاء البلاد بعد، ومن المتوقع أن يتوسع نطاق استخدامه ليشمل المدفوعات عبر الإنترنت وفي المتاجر بحلول عام 2027.
يراهن البنك المركزي الأوروبي على اليورو الرقمي مع اقتراب عام 2029. يستثمر البنك المركزي الأوروبي بكثافة في مشروع آخر: اليورو الرقمي، وهو مشروع نقدي عام، هدفه ضمان استمرار قدرة سكان أوروبا على إرسال واستقبال الأموال عبر نظام يديره أوروبيون.
وأوضح بييرو سيبولوني، قائد المشروع، الأمر قائلاً: “بصفتنا مواطنين أوروبيين، نريد تجنب وضع تعتمد فيه أوروبا بشكل مفرط على أنظمة دفع ليست تحت سيطرتنا”.
من يؤيد ومن يعارض؟
رغم المخاطر، لا يبدو أن الجميع متحمسون، فبعض البنوك تعتقد أن ذلك سيضر بالمشاريع الخاصة، كما أن بعض السياسيين لا يرحبون به أيضاً، وسيصوّت البرلمان الأوروبي عليه هذا العام، ومن
وفي حال أُقرّ التصويت، ستُلزم المتاجر قانونًا بقبول اليورو الرقمي بحلول عام 2029، كما ستكون البنية التحتية مفتوحةً أمام الشركات الخاصة لتطويرها، وتؤيد أورور لالوك، رئيسة اللجنة الاقتصادية في البرلمان الأوروبي، هذه الخطة، قائلةً إنها قد تساعد أوروبا على بناء نظام ينافس فيزا وماستركارد.
مع ذلك، لا تعتقد مارتينا أن الأمر سيحدث بالسرعة الكافية. وقالت: “تكمن مشكلة اليورو الرقمي في أنه سيصدر خلال عامين، ربما بعد انتهاء ولاية الرئيس ترامب. لذا أعتقد أننا متأخرون قليلاً عن الموعد المحدد”.
Could the digital euro get a green light in 2026? https://t.co/YdeBPcan3p— Digital Journal (@digitaljournal) February 10, 2026
من جهته، أيد النائب الإيطالي في البرلمان الأوروبي باسكوالي تريديكو، الاقتراح الأصلي للمفوضية الأوروبية بشأن اليورو الرقمي، قائلا: “اليوم نحن نعتمد كليًا على اللاعبين الأمريكيين الكبار – فيزا وماستركارد – وهذا يجعل الاتحاد الأوروبي ضعيفًا ويعتمد على قرارات ترامب”.
وأضاف “إذا استيقظ الرئيس ترامب يومًا ما وقرر قطع الأوروبيين عن دوائر الدفع الرقمية، فلن يتمكن المواطنون الأوروبيون من إجراء عمليات الشراء باستخدام بطاقات الائتمان، والتي تعد إلى حد بعيد الوسيلة الأكثر استخدامًا للدفع اليوم.”
اظهار أخبار متعلقة
وقد حظي التعديل الداعم لليورو الرقمي بدعم أعضاء البرلمان الأوروبي من عدة جماعات سياسية، بما في ذلك حزب الشعب الأوروبي المنتمي ليمين الوسط، والاشتراكيين والديمقراطيين، وحركة تجديد أوروبا، وحزب الخضر، وحزب اليسار.
القدرة على عزل أوروبا
وكانت صحيفة غارديان البريطانية نشرت في 26 كانون الثاني/يناير مقالاً افتتاحياً بعنوان “سيادة أوروبا تبدأ عند أنظمة الدفع”، أشارت فيه إلى تحذير السياسية الفرنسية أورور لالوك، من أن الرئيس الأمريكي ترامب لديه القدرة على عزل أوروبا عن أنظمة الدفع الدولية.
Membrii Parlamentului European şi-au exprimat, marţi, sprijinul de principiu pentru un #euro #digital, o versiune electronică a monedei unice pe care Banca Centrală Europeană doreşte să o implementeze până la sfârşitul deceniului. (1/2) pic.twitter.com/RcX5vQ7Enk— Radio Romania International (@RRInternational) February 10, 2026
وأوضحت الصحيفة أن الولايات المتحدة تمتلك عبر شركتي فيزا وماستركارد القدرة على عزل أوروبا مالياً إذا تعارضت سياساتها مع سياسات إدارة البيت الأبيض.
مع استمرار اعتماد أوروبا على الشبكات الأمريكية، لم تعد المنافسة مجرد مسألة تجارية، بل تحولت إلى معركة سيادة في عصر تتحول فيه شبكات الدفع إلى أدوات نفوذ جيوسياسي، حيث يصبح التحكم في حركة الأموال وجهاً جديداً للقوة العالمية.
