الحكم الدّولي الفلسطيني أبو مصطفى: عثرت على أبنائي أحياء بين الجثث
القدس المحتلة – خليل جاد الله: تحدث الحكم الدّولي الفلسطيني في لعبة كرة القدم الشاطئية محمود أبو مصطفى (42 عاماً)، في حوار خاص مع “العربي الجديد”، عن تجربته مع حرب الإبادة المستمرّة على الشعب الفلسطيني، ونجاته من الموت، وفقدانه أكثر من 300 فرد من أفراد عائلته، وقال في كلمات مؤثرة “انتشلت أبنائي أحياءً من بين ركام جثث لا حدّ له، كانت أعضاء البشر قد تناثرت في المكان بفعل صاروخ احتلالي استهدف مخيّمنا في مدينة خان يونس، وبعد فترة وجدت نفسي محاصراً في المخيم ذاته، فقرّرت الهرب بعد اكتشاف ثغرة بسيطة. ركضت ثماني كيلومترات، وكأنني شاركت في تحكيم مباراة كاملة، فنجوت”.
ويعيش أبو مصطفى حالياً في خيمة للنزوح قرب بيته المدمّر في مخيم خان يونس، جنوب قطاع غزّة، ويحلم بالعودة للمشاركة في تحكيم مباريات إقليمية، وقاريّة، ودوليّة من جديد.
واستضاف “العربي الجديد” أبو مصطفى في حوار خاص وسأله عن حكايته المختلفة مع النزوح، إذ كان أول من عاد إلى مخيّم خان يونس بعد استهدافه الأول، وافترش أرض بيته المدمّر، فعاد معه أكثر من 3000 مواطن.
* سؤال: من هو محمود أبو مصطفى؟
– أنا الحكم الدولي الفلسطيني محمود أبو مصطفى، أحمل شهادة البكالوريوس في التاريخ والعلوم السياسية من جامعة القدس المفتوحة عام 2012، كنت أسكن مخيّم خان يونس، جنوب قطاع غزّة، وكنت مسؤولاً في وحدة التدريب بإحدى المؤسسات الدوليّة التي تستهدف “حق الأطفال في اللعب”، وعملت في مجال الإعلام أيضاً. قبل الحرب كنت أعمل حكماً دولياً في رياضة كرة القدم الشاطئية، وشاركت في تحكيم مئات المباريات في كرة القدم في قطاع غزّة.
* ما هي أبرز البطولات التي شاركت في تحكيمها؟
– بدأت مسيرتي في مجال التحكيم في عام 2000 حكماً مساعداً في لعبة كرة القدم، وبعدها أصبحت حكم ساحة بعدما تدرّجت في البطولات المختلفة، ومع التعرّف إلى لعبة كرة القدم الشاطئية في قطاع غزّة وارتفاع شعبيّتها، واهتمام المسؤولين بها، تحصّلت على شهادات مختلفة في مجال تحكيمها، حتى أصبحت حكماً دولياً في اللعبة عام 2015، فكنت أول حكم فلسطيني يحصل على الشارة الدوليّة في هذا المجال، إلى جانب مشاركتي في تحكيم مباريات كرة القدم.
اخترت كرة القدم الشاطئية بفضل قربي من الشاطئ، وتعلقّت بها عموماً، إذ شعرت بتفرّدي مقارنة ببقية الحكام الذين يميلون لتحكيم مباريات لعبة كرة القدم في المعشب الأخضر. وقبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 شاركت في تحكيم بطولتين متتاليتين، هما البطولة العربية في كرة القدم الشاطئية، والتصفيات الآسيوية المؤهلة لدورة الألعاب العالمية الشاطئية (أنوك 2023)، حيث كنت حكماً للمباراة النهائية التي جمعت منتخبي الإمارات وإيران في شهر حزيران 2023 في المملكة العربية السعوديّة.
* كيف تغيّرت حياتك بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؟
– كنا نعيش حياة طبيعية قبل السابع من أكتوبر 2023، ولكن كل شيء تغيّر بعدها، ولم يعد بإمكاننا أن نقول بأننا عشنا حياة واحدة، لأن ما قبل السابع من أكتوبر شيء وبعده شيء آخر مختلف تماماً. حاولنا أن نبقى في منازلنا خلال الأشهر الأولى، ولكننا اضطررنا للنزوح بعدما حاصرت قوات الاحتلال مخيّمنا من جهاته الأربع. أثناء النزوح استهدفتنا قوات الاحتلال بقصف صاروخي خلّف عشرات الشهداء، ووقتها كنت أبحث عن أطفالي، فوجدتهم أحياءً بين كومة من الجثث.. لا يمكن نسيان تلك اللحظات التي كدت أن أفقد فيها روحي، وعقلي أيضاً.
* صف لنا رحلة أبو مصطفى مع النزوح والنجاة من الموت؟
– نزحنا بعد قصف مخيّم خان يونس إلى منطقة الإقليمي، جنوب غربي المدينة، على مقربة من مدينة رفح، نَصبت خيمة نزوحي الأولى هناك، وبعدها انضم إليّ الأهل دون اثنين من إخواني، لأن أحدهما اعتقل لمدة شهر والآخر أصبح مفقوداً. قوات الاحتلال اتخذّت من مخيّم خان يونس معسكراً، وكان من الصعب على الجميع أن يعودوا إلى منازلهم، لكنني فعلتها. مثل أبطال “الأفلام الأميركية” قرّرت العودة إلى المخيّم لتفقّد المنزل وحمايته من السرقة، والحصول على بعض الاحتياجات الأساسية مثل “بطانية النوم”، والأغطية، والزيت، والغاز، وتمكّنت من فعل الأمر ذاته في 13 مناسبة، وانضمّ إليّ بعض سكّان المخيّم، لكن إحداها كادت تكلفني حياتي. أثناء ذهابنا إلى المخيم كنا نعيش رحلة من الحياة إلى الموت ذهاباً وعودة، إذ كنا نمرّ على جثث كثيرة، ونسمع الرصاص بجانبنا تاركاً أثراً في الفضاء. وفي المرّة التي حوصرت فيها، كنت مع عدد من المواطنين، إذ اتخذنا من بعض الغرف التي بقيت على حالها مكاناً نبيت فيه، ولكن جيش الاحتلال اكتشف أمرنا، فقررنا الهرب من إحدى الثغرات البسيطة التي لم تكن في مرمى عين الاحتلال، وأثناء هروبنا استشهد إلى جانبي اثنين من المواطنين. ركضت وقتها مسافة ثمانية كيلومترات، وهي المسافة ذاتها التي كنت أركضها تقريباً أثناء إدارتي للمباريات تحكيمياً، وفي اللحظة التي أصبحت فيها بعيداً عن مرمى الاحتلال، ارتميت وكدت أفقد الوعي، ولم أصدق أبداً بأنني نجوت.
* عودتك إلى المخيّم دفعت آخرين لفعل الأمر ذاته.. كيف حدث ذلك؟
– قبل مدّة، انسحب جيش الاحتلال من المخيّم، فقررنا العودة إليه. كنت أول من سكن فيه، وكنت أسعى وقتها لحماية منزلي ومنازل المواطنين الآخرين قبل عودة كل السكان إليه، فقمنا بتنظيف الشوارع. بدأنا بخمس عائلات وبعدها أصبح عدد المواطنين ثلاثة آلاف. لكن هذا الأمر لم يستمرّ طويلاً، لأن منطقتنا عادت حمراء مرّة أخرى، وأثناء ذلك قصف الاحتلال منزلنا ودمّر نصفه، فنزحنا بجانب المنزل. تعلمنا خلال الحرب العيش في أسوأ الظروف، والتأقلم مع أي ظرف قائم، ولذلك أصبح وجود غرفة من دون سقف أمراً مقبولاً مقارنة بالسكن في خيم النزوح.. الآن أسكن في نصف منزلي المدمّر لأن المنطقة عادت آمنة حاليا -حسب وصف الاحتلال- ولكننا نتوقّع استهداف المنزل في أي وقت، لأن العدو ليس له أمان.
* من هم أبرز الأشخاص الذين فقدتهم خلال الحرب؟
– ودعّت خمسة من زملائي الحكّام، منهم حكمان دوليان، رحل عنّا الحكم محمد خطّاب والحكم الدولي هاني مسمح والحكم عمر كيلاني والحكم رشيد حمدونة والحكم محمد درابيع. فقدت من عائلتي أكثر من 300 شخصٍ، منهم ابن اختي، وأبناء عمومتي، وأبناء خالتي، وابن خالي وأبنائه.
* ما الذي ينتظر أبو مصطفى بعد نهاية الحرب؟
– حالياً وللأسف يرى كل واحد منا مستقبله وهو يحترق أمامه، ولكن إن توقّفت الحرب، بإمكاننا إنقاذ ما يمكن إنقاذه. أحلم فقط بالعودة إلى ملاعب كرة القدم الشاطئية، أو إلى الملاعب المعشبة باللون الأخضر، إذ لم يعُد في عمري المهني بقيّة كبيرة، لكن أملي بالله أكبر. يتواصل معي الكثير من الزملاء العرب، أو زملاء القارّة، وتواصلهم هذا يشدّ أزري.. لكن مرّة أخرى: نحن نحيا بكرة القدم، ونموت بدونها مرّتين، فكيف ونحن نراها تحتضر في غزّة أمامنا. هذه رسالتي للعالم كلّه، وللاعبين أو النجوم المؤثرين في الملاعب المختلفة: سبق وكنّا جزءاً من بطولاتكم ومنافساتكم، ونستحقّ منكم وقفة حقيقية تساهم في رفع هذا الظلم القاسي عنّا.
