صور| سوء التغذية المزمن في غزة ينذر بجيل يعاني مشاكل صحية نمائية دائمة
كشف تقرير صادم نشرته مجلة «تايم» الأمريكية، عن أزمة صحية نمائية غير مسبوقة تهدد جيلاً كاملاً من أطفال غزة المكلومين، ويضع علامات استفهام قاسية، حول «مجاعة صامتة تُجهز على غزة دون إعلان رسمي» وما إذا كان يكفي وصول المساعدات في اللحظة الأخيرة لإنقاذ أهالي غزة.
اقرأ أيضًا| شخصيات إسرائيلية بارزة: «عاقبوا تل أبيب حتى تتوقف عن تجويع غزة»
«طفل لا يكبر.. وأم تقتسم الجوع»
داخل حي الشيخ رضوان في مدينة غزة، تحاول إيناس الوحيدي إبقاء طفلها “تيم” حيًا بما تيسر من فتات خبز، فمنذ ثمانية أشهر، لم يتغير وزن ابنها البالغ من العمر 20 شهرًا عن 9 كيلوجرامات، أي أقل من 20 رطلاً، موضحة بحسب مجلة “تايم”: “نصنع ثلاث قطع خبز فقط يوميًا.. يأكل زوجي واحدة، وأتناول نصفًا، ونترك لتيم قطعة ونصف ليكمل يومه، ومع هذا، ينام جائعًا كل ليلة”.
وأكدت إيناس الوحيدي، على أن المشكلة تتفاقم، قائلة: “لا طحين كافٍ، ولا حليب، ولا حتى أمل قريب”.
«نصف مليون إنسان في خطر مجاعة»
في تقرير أصدرته «المرحلة المتكاملة لتصنيف الأمن الغذائي» (IPC) يوم الثلاثاء، تأكد وصول غزة إلى حدود المجاعة، ووفق البيانات، يعيش نحو 500,000 شخص ـــ واحد من كل خمسة من سكان القطاع ـــ في ظروف تُُشبه المجاعة.
لكن القصة لا تقف عند حافة الموت الجماعي، حيث قال الخبراء ـــ بحس مجلة «تايم» الأمريكية ـــ إن الكارثة الأكبر تكمن في الأثر الدائم على أطفال غزة الناجين.
جيل ينهار صحيًا
أشارت إحصاءات وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا»، إلى أن طفلاً من كل خمسة أطفال دون سن الخامسة في مدينة غزة يُعاني من سوء تغذية، وفي شهر مايو وحده، تم تشخيص أكثر من 5,000 طفل بالمشكلة، ومنذ بداية العام، يُسجل ما معدله 112 طفلًا يوميًا يتم إدخالهم إلى العيادات لتلقي العلاج الغذائي.
لكن الخطر الأكبر، هو ما لا يُمكن علاجه لاحقًا، فبحسب منظمة “زيرو تو ثري” الأمريكية المختصة بصحة الأطفال، فإن السنوات الثلاث الأولى من حياة الطفل تمثل مرحلة حرجة لتطور الدماغ والجهاز العصبي، وعليه، فإن سوء التغذية في هذه المرحلة يؤدي إلى تخلّف في النمو الجسدي والإدراكي لا يمكن تداركه لاحقًا، حتى لو تحسنت التغذية مُستقبلاً.
وأكدت دراسة منشورة في مجلة Acta Biomedica عام 2021، أن التقزّم المرتبط بسوء التغذية يُصبح غير قابل للعلاج بعد سن الثانية، ما يعني أن الآلاف من أطفال غزة اليوم، قد حُكم عليهم بمستقبل صحي وعقلي محدود.
مناعة مدمّرة وأطفال بلا مقاومة
وبحسب مجلة «تايم» الأمريكية، المُشكلة لا تقف عند النمو البدني، فنقص التغذية المُستمر يضعف المناعة لدى الأطفال، ويجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية، وعلى غرار ذلك، قالت الأم إيناس الوحيدي من قطاع غزة: “إن جميع الأطفال يتناولون طعامًا سيئًا للغاية، ونحاول فقط منعهم من أن يسقطوا مرضى”.
لكن محاولات الوقاية ليست كافية، فقد سجلت وزارة الصحة في غزة وفاة 89 طفلًا بسبب آثار سوء التغذية منذ أكتوبر 2023، من بينهم الطفلة زينب أبو حليب، التي فارقت الحياة في 26 يوليو في مستشفى ناصر وهي تزن 4 أرطال فقط، أي أقل من وزنها عند الولادة.
رغم غياب رقابة مستقلة على الأرض، تُعد وزارة الصحة في غزة المصدر الرئيسي لبيانات الضحايا التي تعتمد عليها وكالات الإغاثة والإعلام والمنظمات الدولية، رغم عدم إمكانية التحقق من الأرقام بشكل مُستقل بسبب تداعيات الحصار الإسرائيلي والأوضاع المُتردية في القطاع المنكوب.
اقرأ أيضًا| تقرير دولي صادم| الجوع ينهش غزة.. والأمم المتحدة تطلق الإنذار الأخير
«سوء تغذية الأمهات.. بداية كارثة جينية»
لا يقتصر تأثير الجوع على الطفولة فقط، حيث حذّر الخبراء من أن النساء في غزة، اللواتي تعرضن لسوء تغذية مُزمن هم أكثر عرضة لمضاعفات الحمل والولادة لاحقًا، ففي غزة، أشارت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) إلى أن نحو 20% من أصل 55,000 امرأة حامل يُعانين حاليًا من سوء التغذية.
وهذا النقص الغذائي يُهدد بمزيد من حالات الإجهاض، والولادات الميتة، والأطفال ناقصي الوزن.
ورغم قدرة الجسم على الحفاظ على إنتاج الحليب في حالات الجوع المعتدل، إلا أن الحرمان الشديد دفع أجسام كثير من النساء في غزة إلى ما بعد الحدّ الطبيعي، حيث أكدت الممرضة “أندي كلارك فوجان”، العاملة في غزة ضمن جمعية PANZMA الطبية، أن كثيرًا من الأمهات في غزة لم يعدن قادرات على الإرضاع، وعلى غرار ذلك، قالت إيناس الوحيدي من داخل حي الشيخ رضوان في مدينة غزة: “إنني أعتبر نفسي محظوظة لأنني أستطيع إطعام طفلي يوميًا، لكن حتى هذا.. لا يكفي”.
تداعيات دمار البنية الصحية
تتعمّق الأزمة في غزة بسبب الانهيار شبه الكامل للبنية التحتية، فحتى يونيو 2025، تعرض أكثر من 90% من منازل غزة و94% من مستشفياتها للدمار أو الضرر، بحسب تقارير اللجنة الدولية للإنقاذ ومنظمة الصحة العالمية.
ومع انعدام المياه النظيفة وانهيار الصرف الصحي، تنتشر الكوليرا، والإسهال، والجفاف الحاد، مما يضاعف وفيات أطفال غزة حتى مع توفر بعض الغذاء.
وقال سكوت بول، مدير السلام والأمن في منظمة أوكسفام أمريكا: “إن إرسال الطعام هو أول رد فعل على الأزمة التي لحقت بغزة، لكنه لا يكفي، المطلوب برامج تغذية علاجية كاملة وتدخلات طبية شاملة”.
«إسرائيل تحت ضغط دولي متزايد.. والمساعدات محدودة»
منذ انهيار الهدنة في غزة بمارس، أوقفت إسرائيل معظم تدفق المساعدات، فيما تنفي إسرائيل وجود مجاعة في غزة، لكن مع تصاعد الضغوط الدولية، أعلنت القوات الإسرائيلية وقفًا يوميًا للعمليات العسكرية لمدة 10 ساعات في مناطق محددة للسماح بمرور المساعدات.
لكن آلية التوزيع الجديدة التي أنشأتها إسرائيل ـــ “مؤسسة غزة الإنسانية”، بدعم أمريكي ـــ تُقابل بانتقادات حادة، خصوصًا بعد استهداف أكثر من 1,000 فلسطيني بالقرب من نقاط التوزيع الأربع التي أقيمت.
أطنان من المساعدات لا تجد طريقها
أكد برنامج الأغذية العالمي، أن غزة تحتاج نحو 62,000 طن من المواد الغذائية شهريًا، ورغم وجود أكثر من 116,000 طن جاهزة للإرسال في الممرات الإقليمية، لا يزال الوصول إليها محدودًا بسبب التشديدات الإسرائيلية على المعابر البرية.
وقال ستيف كَتس، المدير التنفيذي المؤقت لجمعية الإغاثة الطبية للفلسطينيين: “إن إسقاط المساعدات من السماء لا يمكن أن يُغني عن تسليمها عبر الأرض، كما أنه لا يكفي لإطعام 2.3 مليون إنسان”.
وعلى صعيد متصل، قالت الوحيدي وهي تحاول تجاوز يوم آخر بلا طعام كافٍ: “إننا لا نشعر بأي طاقة على الإطلاق، نحاول فقط أن نشغل أنفسنا بأي شيء ليمرّ اليوم”.
«لكن ما لا يمرّ هو أثر هذا الجوع.. أثرٌ لا يقتصر على صدور خاوية أو أجساد هزيلة، لكنها على جيل كامل يُولد بنصف نمو، ونصف مناعة، ونصف مستقبل».
اقرأ أيضًا| صحفيو غزة تحت النار.. ماذا تقول كبرى المؤسسات الإعلامية عن معاناتهم؟






