مصر والسعودية.. جسور ممتدة وروابط تاريخية وثيقة ورؤية مشتركة للمستقبل
لا يفصل بين مصر والسعودية البلدين الشقيقين الجارّين سوى البحر الأحمر، الذي لم يمنع أن يكون هناك جسرٌ للتواصل على طول الطريق بين القاهرة والرياض لعلاقات متأصلة لم تتوقف منذ عهد الملك السعودي المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود.
آخر الجسور الممتدة في العلاقة بين البلدين الرئيسيين في منطقة الشرق الأوسط كان أول أمس الخميس 17 يوليو/ تموز، حينما التقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان بمدينة العلمين.
وخلال اللقاء، أكد عبد العاطي، رفض مصر الكامل والاستهجان لأي محاولات يائسة من بعض المنصات الإلكترونية غير المسئولة للمساس بالعلاقات التاريخية المصرية – السعودية، مشددا على متانة هذه العلاقات الأخوية بين البلدين الشقيقين.
وأكد الوزيران عمق العلاقات الثنائية الوطيدة والروابط الأخوية والتاريخية التي تربط البلدين الشقيقين وما تشهده من تطور متسارع في ظل التوجيهات الصادرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان بالعمل علي مزيد من تعميق العلاقات الوطيدة بين البلدين في ظل الوشائج الصلبة والمتينة التي تجمع بين الشعبين الشقيقين.

حجر أساس العلاقات المتواصلة
ولقد برهنت العلاقات المصرية السعودية على قوتها وصلابتها بفضل الأسس الصلبة التي ارتكزت عليها منذ أول لقاء تاريخي جمع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، بالملك فاروق ملك مصر عام 1364هـ الموافق 1945م ليضعا حجر الأساس لعلاقة قوية وإستراتيجية، تزداد متانة وصلابة عامًا بعد عام، وصولاً إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، وعهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، لترتسم معالم المستقبل المشرق بين البلدين.
وشهد العام الماضي اجتماعًا أخويًا على مستوى القمة جمع بين الرئيس عبدالفتاح السيسي وشقيقه الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، خلال أداء الرئيس السيسي لمناسك الحج.

ولم تقتصر اللقاءات الثنائية على القمم التي تجمع بين قيادتي البلدين بل امتدت للاجتماعات شبه الدورية التي جمعت وزير الخارجية والهجرة د. بدر عبدالعاطي، بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، التي كان آخرها في الرياض خلال زيارة د. بدر التي تمت في التاسع عشر من أغسطس/ آب 2024.
وبحث خلالها وزير الخارجية ونظيره السعودي، عدد من الملفات الإقليمية التي تخص العلاقات الثنائية والدولية محل الاهتمام المشترك، وعلى رأسها الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، حيث تتبنى القاهرة والرياض مواقف متطابقة إزاء كافة القضايا السياسية والأمنية التي تهم الدولتين وتشغل الإقليم في الوقت الراهن، وتزداد أهمية هذا التنسيق والتشاور مع تصاعد حدة الأزمات والتحديات الأمنية التي تفرض نفسها على العالم ومنطقة الشرق الأوسط بما يُضفي المزيد من الأعباء على القاهرة والرياض من أجل العمل المشترك على تعزيز الاستقرار والعمل على تهدئة التوترات والأزمات التي تموج بها المنطقة.
وترتكز المواقف المشتركة للبلدين على الرفض التام لكافة التدخلات الإقليمية في شئون الدول العربية أياً كان مصدرها، كونها تشكل تهديدًا لاستقلال وسيادة الأراضي العربية وتفكيكا لوحدتها الوطنية، ومن هذا المنطلق تدعم الدولتين بشكل دائم كافة المبادرات السياسية والحلول السلمية لكافة أزمات المنطقة، في سوريا واليمن وليبيا والسودان، وفقا لقرارات مجلس الأمن والمبادرات الإقليمية والمرجعيات ذات الصلة، بما يحافظ على استقرار هذه الدول، ووحدة ترابها الوطني، ويضع مصالحها الوطنية فوق كل الاعتبارات، ويؤسس لحل دائم يكفل الأمن والاستقرار لشعوب هذه الدول، بمعزل عن التدخلات الخارجية.
شراكات اقتصادية تعزز التنمية المستدامة
كما شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين في الآونة الأخيرة زخمًا كبيرًا في ملف التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين الرياض والقاهرة ليضيف المزيد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
كما تبادل الوزراء والمسؤولين في كلا البلدين الزيارات، والتي كان آخرها الزيارة المهمة التي قام بها رئيس مجلس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي إلى العاصمة السعودية الرياض في الخامس عشر من شهر سبتمبر/ أيلول الماضي.

وتم خلال تل الزيارة الاتفاق على تفعيل اتفاقية حماية الاستثمارات السعودية في مصر، فضلا عن توجيه ولي العهد السعودي لصندوق الاستثمارات العامة السعودي بضخ استثمارات بقيمة خمسة مليارات دولار في مصر كمرحلة أولى.
كما شهدت الزيارة مشاورات بين الجانبين في عدد من الملفات الاقتصادية والاستثمارية محل الاهتمام المشترك، حيث عقد رئيس الوزراء المصري سلسلة اجتماعات مع وزراء الاستثمار والصناعة والتجارة والمالية بالمملكة، كما التقى ممثلي القطاع الخاص السعودي وتم الاتفاق على إطار عام لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين في عدة قطاعات وإزالة كافة معوقات الاستثمار.
التبادل التجاري بين البلدين
ووفقا لبيانات وزارة التجارة والصناعة المصرية فقد بلغت معدلات التبادل التجاري السلعي بين البلدين نحو 5.7 مليار دولار عام 2022، مقارنة بنحو 4.6 مليار دولار عام 2021، محققة نسبة زيادة بلغت 23.9 %.
فيما وصل حجم الاستثمارات السعودية في مصر أكثر من 6 مليار دولار وذلك في قطاعات الصناعة والإنشاءات والسياحة والزراعة والخدمات والتمويل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، كما وصلت قيمة الاستثمارات المصرية في السعودية نحو 1.4 مليار دولار في قطاعات الصناعة والطاقة والمياه والصحة وتجارة التجزئة والتجارة الالكترونية والبتروكيماويات والبترول والغاز والسياحة والاتصالات وتقنية المعلومات والنقل والخدمات اللوجستية والتعدين والخدمات الهندسية.
رؤية مشتركة
وتتفق حكومتا البلدين على ضرورة تعزيز الشراكة الاقتصادية استثمارياً وتجارياً، ونقلها إلى آفاق أوسع لترقى إلى متانة العلاقة التاريخية والاستراتيجية بينهما عبر تحقيق التكامل بين الفرص المتاحة من خلال رؤيةالسعودية 2030 ورؤية مصر 2030 كذلك.
كما تسعى كل من القاهرة والرياض، لزيادة وتيرة التعاون الاستثماري والتبادل التجاري وتحفيز الشراكات بين القطاع الخاص في البلدين، وتضافر الجهود لخلق بيئة استثمارية خصبة ومحفزة تدعم عدداً من القطاعات المستهدفة، بما في ذلك السياحة، والطاقة، والرعاية الصحية، والنقل، والخدمات اللوجستية، والاتصالات وتقنية المعلومات، والتطوير العقاري، والزراعة.
وتسعى السعودية لتصبح الشريك التجاري الأول لمصر خلال السنوات الخمس المقبلة، حيث يوجد نحو 6285 شركة سعودية تعمل في مصر، بجانب وجود 274 علامة تجارية مصرية، وأكثر من 574 شركة مصرية في الأسواق السعودية.
وسبق لمجلس التنسيق المصري السعودي، الذي أسسه الرئيس عبدالفتاح السيسي والملك سلمان بن عبد العزيز، أن أبرم 17 اتفاقية شكلت خارطة طريق للتعاون الاقتصادي بين البلدين، في مجالات الإسكان والبترول والتعليم والزراعة والصحة، شملت اتفاقية لتطوير مستشفى القصر العيني بقيمة 120 مليون دولار، واتفاقية أخرى لتمويل إنشاء محطة كهرباء غرب القاهرة 100 مليون دولار، إلى جانب توقيع 10 اتفاقيات تفاهم لتمويل مشروعات جديدة ضمن برنامج الملك سلمان لتنمية شبه جزيرة سيناء، من بينها تأسيس جامعة الملك سلمان الدولية، وإنشاء 13 تجمعًا زراعيًا في شبه جزيرة سيناء بقيمة 106 مليون دولار، وغيرهما من المشروعات التنموية.
