أخبار

عدّاء الطائرة الورقية يركض من كابول إلى غزة-الحياة الجديدة

0 0
Read Time:3 Minute, 26 Second

غزة ا- الحياة الجديدة- بين خيام النازحين المتناثرة في أرض البخاري بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يركض عبد الفتاح أبو مراحيل، ابن العشرة أعوام، خلف طائرته الورقية المترنحة في وجه الريح، وكأنّه يلاحق طيف ذكريات لا يريد لها أن تختفي عن ناظريه.

هذه الطائرة ليست مجرّد لعبة من كيس بلاستيكي وأعواد خشب، بل امتداد لذاكرة حيّة وصوت مألوف ما زال يرافقه كل مساء — صوت فراس السعيدني، صديقه الذي استُشهد في قصف إسرائيلي ، يحفظ عبد الفتاح كل لحظة جمعته بفراس، ويجد في تحليق الطائرة متنفسًا للحنين، وطريقة وحيدة للحفاظ على ما تبقى من الأُنس في زمن الخسارات.

يقول عبد الفتاح ، أو كما اعتاد فراس أن يناديه “عبّود”، وهو يشد خيط الطائرة إلى الأعلى، كأنه يشدّ روح صديقه من الأرض نحو السماء:

كنا نلعب سويًا كل يوم. فراس كان دائمًا يفوز، فأرجوه بتودد: أمانة، خليني أفوز اليوم، عشان خاطري. كان يضحك ويقول: علشانك، ألف مرة ومرة.”

تلك الكلمات، رغم بساطتها، باتت تلخص كل ما يشعر به الطفل اليوم: خسارة، ووفاء، وذاكرة لا تموت.

 

لأجلك، ألف مرة ومرة.”

 

تلك العبارة الأيقونية التي قالها “حسن” لأجل “أمير” في رواية عدّاء الطائرة الورقية للكاتب خالد الحسيني، تردّد اليوم في غزة، على لسان طفل لا يعرف الرواية، لكنه يعيشها بكل تفاصيلها. في كابول، كانت الطائرة رمزًا للحب والخذلان، أما في غزة ، فهي تحوّلت إلى لغة يومية للتذكّر، والتمسك بالحياة، ومقاومة النسيان.

في الرواية، هناك مؤلف ينسج الحبكة، ونهايات مُرتبة، وشخصيات تجد فرصًا ثانية. أما في غزة، فالحكاية تُكتب بالدم والخوف والحنين، دون رفاهية الترتيب أو الخلاص. عبّود لا يقرأ الروايات، لكنه يحمل في كفه كل معانيها، بخيط ضعيف، وطائرة ترتجف في مهبّ الريح، لكنها لا تسقط.

 

الطيران في وجه الغياب

 

رغم أن عبد الفتاح يسكن بالقرب من المخيم، إلا أنه لا يتخلف عن زيارته كل مساء بعد العصر، كأنما يجد في المكان ما لم يعد يجده في البيت أو الشارع أو المدرسة التي توقفت …. هناك، وسط خيام شُدّت على عجل، يلتقي بأطفال لا يعرف أغلبهم أسماء بعضهم البعض، لكن جميعهم يتقنون لغة الطائرات الورقية: لغة لا تحتاج لكلمات، بل لريح، وخيط، وسماء.

 

يقول عبّود:

بعد رحيل فراس، اعتّدتُ المجيء لوحدي… أطلق الطائرة عنه وعني. وأحيانًا أشعر أنه سبقني للمكان، وأراه فوق، كأنه يشجعني ، فأحاول أن أطير بِطائرتي أعلى وأعلى، حتى أصل إليه.”

تلك اللحظة اليومية التي يعيشها عبد الفتاح صارت طقسًا شخصيًا من الحزن والمقاومة؛ يرسل فيها روحه إلى الأعلى مع الطائرة، ويأمل أن تبّلُغه السماء.

وفي عصر كل يوم، ترتفع الطائرات الورقية بين الخيام، لتكسر صوت طائرة الاستطلاع ( الزنانة ) ، وضجيج المقاتلات الحربية، ونبض الخوف في قلوب الأطفال. بعضها ملوّن، بعضها ممزّق، لكنها كلها تحمل أملًا في التحليق. طائرة عبّود بسيطة: بالأبيض والأسود، وذيلها مربوط بكيس دقيق ممزق — لكنها ترتفع، وتظل ترتفع، رغم كل ما حولها يريد لها أن تسقط.

 

من كابول إلى دير البلح

 

في رواية الحسيني، يُذنب “أمير”، ثم يهرب، قبل أن يحاول الفداء لاحقًا. في غزة، لا متسع للهرب، ولا وقت للغفران، ولا فرصة ثانية لتدارك ما فات. الحرب لا تُمهل، والأحباب يرحلون فجأة، دون وداع، ويبقى من بقي يحمل الذكرى كعبءٍ جميل ومؤلم.

كان فراس يقول لي دائمًا: الطائرة الورقية تحتاج إلو التوازن، لا قوة.”

كلمة قالها طفل وهو يعلّم صديقه كيف يتحكم بالخيط، لكنها تحوّلت إلى قاعدة حياة، وصدى باقٍ في ذهن عبد الفتاح، كلما شعر بأن الطائرة تميل، أو كادت أن تهوي.

فالطيران، هنا، ليس مجرد لعب. هو تحدٍّ في وجه الحرب، وهو فعل مقاومة عاطفي ضد الفقد ، الطائرة ليست مصنوعة من خشب وكيس فقط، بل من صبر طفل، وذكريات صديق، ورغبة بالاستمرار في الحياة رغم الموت الذي يحوم فوق الرؤوس.

 

الفصل الأخير

 

في غزة، لا يجد الأطفال وقتًا أو مكانًا لقراءة الروايات، لكنها تُكتب كل يوم، على شكل طفل يركض خلف طائرته الورقية، ويرفع رأسه نحو السماء، ويهمس:

من أجلك، ألف مرة ومرة.”

ربما لا يعرف عبد الفتاح أن هذه الجملة باتت عنوانًا عالميًا للوفاء، لكن ما يعرفه جيدًا أنها كانت آخر ما قاله له فراس. ولهذا، يركض كل يوم، ويعيد السباق كل مرة، وكأنّه يصرّ أن الطائرة لا يجب أن تسقط، لا من يده، ولا من السماء، ولا من الذاكرة

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *