تهجير قسري في بطن الهوى.. خمسون عامًا من الصمود تواجه قرار الإخلاء لصالح المستوطنين-الحياة الجديدة
القدس المحتلة– الحياة الجديدة– ديالا جويحان- تقطن عائلتا شويكي والرجبي منذ أكثر من خمسة وخمسين عامًا في منزليهما بحي بطن الهوى، أحد أحياء بلدة سلوان الواقعة في الحاضنة الجنوبية للمسجد الأقصى المبارك. لكن الاحتلال فاجأ العائلتين مؤخراً بقرارات إخلاء فعلية لصالح جمعية “عطيرت كوهنيم” الاستيطانية، مع منحهما مهلة لا تتجاوز الشهر لتنفيذ الإخلاء.
العائلتان، كما غيرهما من العائلات المقدسية، رفضتا عروضًا مالية باهظة مقابل التخلي عن منازلهما، وتوجهتا إلى المحاكم الإسرائيلية لإثبات ملكيتهما. ورغم عدم تسلّمهما قرارات إخلاء رسمية، فإن شبح الطرد لا يزال يطاردهم.
أم ناصر الرجبي: بيتنا حجراً حجراً من تعب زوجي
تقول الحاجة أم ناصر الرجبي (70 عاماً) لـ”الحياة الجديدة”: “منذ عام 2015 بدأنا نتلقى بلاغات قضائية تطالبنا بإخلاء منازلنا بحجة أن الأرض تعود لجمعية يهودية، بعد أن حصلت جمعية ‘عطيرت كوهنيم’ الاستيطانية على حق إدارتها عام 2001”.
وتضيف:”تزوجت في هذا المنزل، وأنجبت سبع بنات وولدين. بُني المنزل من ثلاث طوابق على يد زوجي المرحوم، ويقطن فيه الآن أبنائي وأحفادي، حوالي 20 فرداً بينهم طفلان من ذوي الاحتياجات الخاصة. هذا المنزل احتوانا في أفراحنا وأحزاننا، وهو مليء بذكرياتنا وتعبنا”.
وتروي كيف أصبحت العائلة محاطة بالبؤر الاستيطانية وكاميرات المراقبة، وتعرضت لمداهمات من شرطة الاحتلال أثناء تجمعاتهم العائلية.
وتضيف: “قبل سنوات وضعتُ غطاءً لسطح المنزل لحمايته من الشمس والمطر، فطالبتنا بلدية الاحتلال بإزالته. حتى ‘الشادر’ الذي وضعناه لاحقاً أُجبرنا على إزالته كي نُترك مكشوفين تحت أعين الكاميرات”.
وتقول: “المنزل يطل على الأقصى… لا ننام منذ قرار الإخلاء، نعيش في رعب من اقتحام مفاجئ يطردنا بالقوة. إن اضطررت، سألجأ مع أبنائي وأحفادي إلى المسجد ولن أغادر هذا البيت الذي بُني حجرًا حجرًا من تعب زوجي”.
أم زهري شويكي: أترك روحي إن تركت هذا البيت
وتقول الحاجة أم زهري شويكي:”القرار نزل عليّ كالصاعقة. عشنا في هذا المنزل 55 عاماً، وبناه زوجي بنفسه قبل أن يُقعده المرض لسنوات حتى وافته المنية. في هذا البيت ودّعت اثنين من أبنائي شهداء، وابني الثالث أسير محرر قضى سبع سنوات في سجون الاحتلال”.
وتضيف:”من المستحيل أن أترك هذا البيت، فهو يحمل أصوات وذكريات من فقدتهم. أبنائي وأحفادي الذين يعيشون معي يعانون من الخوف المستمر، فلا بدائل سكنية ولا قدرة على تحمل تكاليف الإيجار الباهظة في القدس”.
وتختم:”منزلي لا يبعد أمتاراً عن الأقصى، وليس لنا في هذه الأيام العصيبة سوى الصبر والثبات والدعاء. حتى الورود التي زرعتها في كل ركن لها ذكرياتها الخاصة”.
مخطط تهويد متكامل
وتسعى سلطات الاحتلال بشكل حثيث إلى السيطرة على حي بطن الهوى، تحت ذريعة ملكية يهود يمنيين للأرض منذ ما قبل الاحتلال. ويعود النشاط الاستيطاني في الحي إلى عام 2004، عندما أُقيمت أول بؤرة استيطانية “بيت يوناتان”، المكونة من ستة طوابق، دون تراخيص بناء، ولكنها سُلّمت فوراً للمستوطنين، بينما غضت سلطات الاحتلال الطرف عنها.
لاحقاً، استولي على بؤر أخرى مثل “بيت العسل”، ومع مرور الوقت امتلأ الحي بالبؤر الاستيطانية والأعلام الإسرائيلية، وسط استفزازات متكررة للسكان الأصليين، من رقص وغناء خلال مناسباتهم الدينية.
محافظة القدس: ما يجري تطهير عرقي
واعتبرت محافظة القدس أن قرار المحكمة العليا الإسرائيلية برفض استئناف عائلتي الرجبي وشويكي، تمهيداً لإخلائهما من منزليهما، هو جزء من مسلسل التهجير القسري الممنهج، الذي يهدف إلى إحلال المستوطنين محل السكان الفلسطينيين، وفرض واقع ديمغرافي جديد يتناقض مع القانون الدولي، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل السكان القسري في الأراضي المحتلة.
وأوضحت المحافظة أن استهداف بطن الهوى لا يقتصر على العائلتين، بل يأتي ضمن خطة لإفراغ الحي من سكانه الفلسطينيين، حيث تواجه نحو 84 عائلة (تضم حوالي 700 فرد) دعاوى إخلاء، وقد تم تنفيذ قرارات الطرد بحق 16 عائلة حتى الآن.
وأشارت إلى أن القرارات الأخيرة تشمل خمسة منازل تسكنها 27 أسرة فلسطينية، بعدد أفراد يصل إلى 131 مواطناً، معظمهم من الأطفال، بلا مأوى بديل.
ودعت المحافظة المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلى التدخل العاجل لحماية سكان القدس ووقف جرائم التهجير والاستيطان.
واختتمت بالتأكيد أن ما يجري في بطن الهوى هو تطهير عرقي ممنهج، لن يسقط بالتقادم، وأن القدس وأحياؤها الفلسطينية ستظل عنوانًا للصمود والمقاومة مهما اشتدّت التحديات.
