نابلس-الحياة الجديدة- حنين خالد- في قلب الجليل الغربي، وعلى مفترق…
نابلس-الحياة الجديدة- حنين خالد- في قلب الجليل الغربي، وعلى مفترق طرق كان يعبره التجار والفلاحون والمسافرون بحركة دائمة وكانت هناك قرية تُدعى “البروة”… لا تُذكر إلا وترتجف الذاكرة، وتستيقظ الحكاية، وتُرفع الراية.
قريتنا عصية على النسيان، نحن من هذه الأرض، ننبض بها ونحلم من فوقها؛ ونزرع في تاريخها بذور البقاء.. ولا تراجع عن حق العودة؛ فالأرض ليست مجرد تراب، الأرض تعرفنا ونحن نعرفها، تعرف أسماءنا وتحفظ وجوهنا، هي نبض الحياة وذاكرة لا تنسى!!
من مفترق طرق إلى بوصلة وطن.. قرية ازدهرت بالقمح لكنها النكبة التي قطفتها..
يقول مراد العبادي ابن البروة والذي يسكن ترشيحا في وصفه: “البروة، الواقعة على تل استراتيجي، لم تكن مجرد قرية تخضر بالقمح وتعج بالمواشي، حسب ما كان يرويه لنا جدي محمد العبادي في كل مناسبة وذكرى، بل أهم المحطات التجارية حيث كانت محطة استراحة للقوافل، بفضل موقعها الذي يشكل مفترق طرق لعكا وحيفا والجليل الأعلى”.
ويكمل؛ مكان يختزن في حجارة بيوته قصص الكرامة والتحدي. كان فيها من الحياة ما يكفي لتكون مدينة؛ لا مجرد قرية، قبيل النكبة عدد سكانها يبلغ قرابة 1700 نسمة، رقم لا يُستهان به في تلك الحقبة، بيوتها المشيّدة من حجارة “الخِرَب” حملت في تفاصيلها صلابة الأرض الفلسطينية ودفء ناسها، وكانت تشهد على تاريخ وكرامة؛ وكانت أيضاً مكاناً يعج بالحياة والطموح، لكن ما لا يُحصى هو حجم الانتماء الذي ربطهم بالتراب.
البروة: القصيدة التي لم تُغلق سطورها
في البروة، لم تُزرع فقط الحنطة… بل زُرع الشعر أيضاً. من بين ترابها وبياراتها، ومن بين أبرز وأهم وأجمل تلك الأصوات التي خرجت من قلب هذه القرية كان الشاعر الكبير محمود درويش، شاعر الوطن والمنفى، وصوت الحنين الذي لم يهدأ، ورمز الهوية.
وإلى جانبه، برز شقيقه زكي درويش، وغيرهم من أبناء البروة الذين صدّحوا باسم فلسطين على مسارح العالم، مؤكدين أن القرية الصغيرة قادرة على إنجاب الكلمة التي تصنع المستقبل.
نسيج لا يُقطع: مسلم ومسيحي ومختار واحد
كانت البروة نموذجاً فريداً للتعايش الفلسطيني الخالص؛ جامع وكنيسة، وسكان من طوائف متعددة، ولكن هوية واحدة. وكان الخوري جبران الخوري، رجل الدين المسيحي، مختار القرية بأكملها؛ إسلاماً ومسيحية. مشهد لا يرويه التاريخ فحسب، بل يشهد له أبناء القرية حتى اليوم باعتباره رمزاً للترابط والتلاحم الاجتماعي والديني في جوهره ، وهذا التماسك كان ولا يزال أحد مصادر قوة البروة ورمز فخرها وخصوصيتها في الذاكرة الفلسطينية.
سبع مرات احتلت… وسبع مرات تحررت
لم تكن البروة لقمة سائغة. احتُلت سبع مرات، ولكنها تحررت سبعاً بأيدي المقاومين الفلسطينيين قبيل النكبة. لم يكن أهلها مستعدين للتخلي عن أي شبر من أرضهم، حتى اللحظة الأخيرة.
في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، ومعركة الصبر في عام 1938، استُشهد والد جدي، ليبدأ فتى صغير اسمه ” محمد العبادي” مشوار الكفاح والمعاناة. صار المعيل والتلميذ والمقاتل. حمل عبء الوطن والعائلة معاً، ورفض التخلي عن أي شبر، حتى وافته المنية.
في أثناء النكبة، قاومت البروة حتى اللحظة الأخيرة، لكن الاحتلال كان أقوى وأشرس. فاضطر أهلها للمغادرة، وتحولت عائلتي حينها من مالكة للأرض إلى لاجئة مهجرة، وهو ما ترك فينا جرحاً عميقاً لا يمكن نسيانه.
الناقة عادت… فكيف يُباع القبر؟
يستذكر مراد، من بين القصص التي لا تزال حاضرة في ذهني رفض جدي العبادي بيع قبر والده خليل العبادي أو الأرض التي كانوا يملكونها، بالرغم من محاولات البعض إقناعه؛ فقد قال لنا جدي “في مرةٍ جاء رجل يبحث عن ناقته الضائعة، قال له خليل عبادي: “في المكان الذي وُلدت فيه، ستلقاها.” وعادت الناقة لأمها. حينها قال جدي: “إذا الناقة رجعت لعند أمها، فكيف لي أن أبيع قبر والدي؟
هذا الموقف دفعه إلى رفض التخلي عن الأرض أو الموروث، مؤمناَ أن العودة هي أسمى وأقدس حقوقنا، هكذا تكون الأرض… ليست تراباً فقط، بل دم ونبض وذاكرة لا تُشترى ولا تُباع.
من نكبة إلى بطولة: فضل هواش ومعركة الكرامة
قصص البروة كثيرة، لكن أبرزها قصة عم والدتي، فضل هواش، الذي فقد أهله أثناء النكبة، والتقطه ضابط في جيش الإنقاذ الأردني، وتبناه وأطلق عليه اسم “فضل علي” ليصبح أحد أبطال معركة الكرامة. لم تعرف أمه أنه حي يُرزق حتى رأته يوماً على شاشة التلفاز. ومن البروة خرج هذا البطل ليخلد اسمها في تاريخ الثورة.
طمس المعالم… ولكن الذاكرة لا تُمحى، والنضال مستمر
زرت البروة مراراً هكذا يصف مراد البروة، رأيت الجامع، المعصرة، المدرسة، المقبرتين الإسلامية والمسيحية. ولكن الاحتلال تعمد طمس كل معلم، حتى أقام حظائر مواشٍ فوق الأرض المباركة. هذه سياسة الاحتلال: أن يُميت الذاكرة. ولكننا نقول: الكبار يموتون، والصغار لا ينسون.
ويضيف؛ انّ الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية مسؤولية لا تقبل التهاون، وأن أحد أسمى الطرق للاحتفاظ بها هو توثيق سيرة النكبة واللجوء من خلال شهادات الأجداد، نشعر في كل ذكرى للنكبة تمرّ بأنها ليست ذكرى، بل واقع مستمر، يمتزج شعورنا يالألم والأمل،، ولكننا نصرّ أن لا أحد يملك أن يسلبنا الأمل. نعم؛ لقد قتلنا، شردنا، هدمت بيوتنا وسلبت حقوقنا، وبالرعم من كل ما فقدناه يبقى الأمل في قلوبنا.
جدي ورث النضال لأبنائه، وأبناؤه حملوا هذا الهمّ ليزرعوه في أحفادهم، لأن الفلسطيني سلاحه شهادته، وكبرياؤه؛ أرضه، تاريخه وهويته.
مسيرة الذاكرة: من الكلام إلى الأقدام
نؤمن أن العودة ليست فقط ممكنة، بل حتمية، وحق مقدّس لا يُساوم عليه. وأمل لا يموت؛
والقرار 194 الذي أكدّته الأمم المتحدة ليس حبراً على ورق، بل قانون أممي، ودليل شرعي لكل لاجئ ومهجّر.
ويؤكد مراد: نحن في جمعية الدفاع عن حقوق المهحرين؛ لا نكتفي بالكلام نشارك بمسيرات العودة سنوياً، ونقوم بزيارات دورية للقرى المهجرة ونذكر أنفسنا وكل العالم ونصرخ بأعلى الصوت: لا عودة عن حق العودة، لأن يوم استقلالهم، هو يوم نكبتنا.
ونقول:”الأرض ما زالت تنادينا، في كل عام ترفع راية البروة من جديد، لنقول: نحن هنا، في انتظار العودة”,
الجيل الثالث: شهود على ما لم يولدوا فيه
أنّ الذاكرة لا تقتصر على الكلمات فحسب بل تشمل الأفعال أيضاً، وأهمية الأجيال الجديدة تكمن في أنها الحائط الذي تسقط عليه أكاذيب الاحتلال، وهي عماد لإحياء قضية القرى المهحرة.
بالذكرى؛ والمشاركة الفاعلة، نسمع لأحاديث الأجدلد قصص النكبة وكيف تم تهجيرهم، ونعمل على أنشطة توعوية للأجيال الصاعدة، لضمان بقاء الذاكرة حية في أذانهم، وهذه الفعاليات جهد متواصل لبقاء القضية الفلسطينية حية ونثبت للجميع أن فلسطين في قلب كل فلسطيني، ولن نرضى بالظلم.
ويضيف؛ وربما المفارقة الأجمل نحن الجيل الثالث، من لم يولد في البروة، هم اليوم أكثر تمسكاً من أي وقت مضى، يسمع ويحفظ، يرى ويستوعب، لا ينسى، بل يناضل. وأنّ الذاكرة التي نحملها هي المعركة الأولى في العمل على توثيق هذه القضية ونؤمن بأنّ العودة ليست حلماً بل حقاً لا يسقط بالتقادم.
البروة باقية.. لا تزال تعيش فينا
ربما هُجّرت البروة، وربما أصبحت أطلالًا، لكننا نراها بعين قلوبنا كما كانت: قرية عامرة، فيها قمح ومآذن، وشهداء وأمل. وما دام هناك من يروي، فالبروة حيّة لن تموت، ستظل في الذاكرة، في القصيدة، وفي كل حجر نقشته أم فلسطينية باسم ابنها الشهيد.
ونحيا لنحفظ الحكاية. نقاوم لنعود. فالنكبة لم تنته،، لأنّ العودة لم تبدأ بعد.
