نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- بدت مدينة نابلس يوم…
نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- بدت مدينة نابلس يوم أمس كمن يسير في عمق الحزن، لا صوت فيها سوى الحديث عن حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة، ولا حركة سوى صمتٍ يمشي على الرصيف كعجوز فقد صوته في حضرة وجعٍ كبير.
الإضراب الذي شمل أنحاء الوطن، كان بالنسبة للمواطنين بمثابة قسم جماعي على وحدة القلب الفلسطيني الواحد، المنكسر من غزة، والنازف لها.
في نابلس المدينة التي أغلق الاحتلال بوابتها بأصفاد وأخنق عليها الحصار، وظلت صامدة أمام كل محاولات كاسرها كانت أمس على موعد مع الالتزام الكامل بالإضراب الذي شمل كل مناحي الحياة.
عند ميدان الشهداء مرورا بأسواق البلدة القديمة وصولا لكل أحياء المدينة، مرّت الريح وحدها تصافح أبواب المحال المغلقة، وكأن نابلس أغلقت نوافذها لتبكي بصمت، وحتى لا يرى الغزاة دموعها في عيون أهلها.
وقف الحاج عبد الرحيم حمد، صاحب محل في البلدة القديمة منذ خمسين عاما، أمام دكانه المغلق، وقال بنبرةٍ مشحونة بالعز والحنين ” لا يقرر إضراب إلا وألتزم به، لكن هذه المرة الشعور مختلف، فلا نملك إلا أداة الإضراب لرفض كل ما يتعرض له شعبنا من إبادة”.
وأضاف “اليوم نحن نضرب لأن غزة تُباد، ونحن لا نملك غير أن نوقف رزقنا وتفاصيل حياتنا على أمل أن لا يتوقف قلب غزة”.
في حي رفيديا، مرت سيدة خمسينية، أوقفتنا لتقول بصوت راجف:
“المدينة في قمة حزنها، لم أشعر أن نابلس حزينة مثل هذا اليوم، الحزن يغلفنا كلنا ونحن لا نملك إلا الدعاء الذي نرسله إلى السماء”.
المدارس بلا تلاميذ، الجامعات بلا محاضرات، الشوارع بلا عربات، وكأن المدينة أعلنت الحداد عن الكلام، ولبست غزة في القلب ككوفية لا تُخلع.
ويقول أحمد نصر سائق تكسي إنه التزم بالإضراب لأنه الوسيلة الممكنة للتعبير عن رفض حرب الإبادة.
تحدث نصر ولسان حاله يقول “هذا ليس إضرابا احتجاجيا، بل موقفا وجوديا، حين تُباد غزة، نصبح جميعا أمام احتمال الغياب، اليوم نابلس تكتب عبارات الرفض على أبوابها المغلقة، كي لا ننسى أن هناك من لا يملكون حتى الأبواب ليغلقوها على أرواحهم.
الطفل أحمد أبو صالحة الذي وقف إلى جانب والده أمام محلهم التجارية المغلق تحدث بينما تفجر بداخله عالم من الحزن “في غزة أطفال مثلي تباد، أريد أن أقول لهم أننا معهم ومثلهم أيضا نباد ونقتل في نابلس وكل الضفة، فلا فرق في الإجرام الاحتلال بين مكان وآخر وكل ما هو فلسطيني هدفا للاحتلال.
في نابلس التي تعاني من عدوان يومي وعمليات اقتحام لا تتوقف يعرف الناس معنا ألم الحرب ووجعها الذي يمتد على أرصفة الحزن.
في زمن أصبحت فيه حياة الفلسطيني مستباحة أمام صمت دولي، تقول نابلس إن الإضراب وإقفال أبواب الرزق ليس هو الوسيلة الأقوى، لكنه أحد الخيارات المتاحة للتعبير عن الرفض لكل هذا الإجراء الاحتلالي بحق أبناء شعبنا، فغزة كانت أمس في نابلس، لا عبر شاشات الأخبار، بل في نبض القلب، في نية الأعمال المؤجلة، وفي رغيف خبز اختار صاحب المخبز أن ينتظر لليوم التالي.
