بين زلزالَي 1999 و2023 .. سياسة أردوغان الاقتصادية تواجه تحديات كبيرة
اسطنبول – أ ف ب: أثار زلزال 17 آب 1999 الذي أودى بآلاف الأتراك خلال الليل، غضبا شعبيا صعّد مشاعر استياء حيال وضع اقتصادي صعب، ما ساهم في حينه بإيصال رجب طيب أردوغان إلى السلطة.
بعد أكثر من عقدين، يجد الرئيس التركي نفسه أمام ظروف أكثر تعقيداً، لكن أمام تحدٍّ مشابه: دفع ثمن زلزال 6 شباط الماضي، الذي أوقع أكثر من خمسين ألف قتيل، في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقررة في 14 أيار الجاري.
ورأى مليح يشيلباغ، أستاذ علم الاجتماع في جامعة أنقرة، أن أردوغان وحزبه الإسلامي المحافظ “وصلا (إلى السلطة) بزلزال، وقد يطيح بهما زلزال آخر”.
وذكّر بأنّه حين تسلّم حزب العدالة والتنمية السلطة في 2002 “كان تحديث البنى التحتية من وعوده الرئيسة. وبعد عشرين عاماً، بإمكانكم رؤية ما يجري”.
وأودى زلزال 1999 بأكثر من 17 ألف قتيل في شمال غربي البلاد وفضح هشاشة المباني.
ومع وصول أردوغان إلى السلطة في 2003، اعتمد نموذجاً اقتصادياً جديداً يرتكز على القطاع العقاري والورش الكبرى، محدثاً تحولاً عميقاً في تركيا.
وشُيّد أكثر من عشرة ملايين مسكن خلال عشرين عاماً في تركيا، وعلق يشيلباغ “إنه رقم مذهل، أكبر من نصف (ما تم تشييده) في جميع بلدان الاتحاد الأوروبي مجتمعة خلال الفترة ذاتها”.
وأوضح أتيلا يشيلادا، من مكتب “غلوبال سورس بارتنرز” للاستشارات، أن “قاعدة حزب العدالة والتنمية الأصليّة مؤلفة من مقاولين صغار ورجال أعمال من الأناضول برعوا في القطاع العقاري وصفقاته”.
وتسارعت الفورة العقارية مع الأزمة المالية في 2007 – 2008 التي حملت الولايات المتحدة وأوروبا على خفض نسب الفائدة إلى الصفر، ما شكل مصدر ثروة لتركيا.
ومع توارد قروض بمليارات الدولارات دون فوائد، تمكنت حكومة أردوغان من إعطاء وجه جديد لمعظم المدن وربط المحافظات بوساطة شبكة من الطرقات العامة والمطارات.
كذلك سمحت فورة البناء بربط الأتراك الأقل تدريباً بسوق العمل، ما عزز قاعدة حزب العدالة والتنمية الانتخابية.
وشدد أتيلا يشيلادا على أن “هذا جاء بنتائج جيدة فعلاً بالنسبة لتركيا، ولّد طبقة جديدة مزدهرة من أنصار حزب العدالة والتنمية الذين أصبحوا من سكان المدن وانضموا إلى الطبقتين المتوسطة والغنية”.
وشهد الاقتصاد التركي ازدهاراً كبيراً في العقد الأول من حكم أردوغان، وشكل قطاع البناء والصناعات التي أدى إلى تطويرها حوالى ثلث هذا الازدهار في ذروة النمو العام 2013.
وقال عثمان بالابان، أستاذ تخطيط المدن في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة، إن “قطاع البناء يتطلب يداً عاملة كبرى، ويولد بالتالي كمية كبيرة من الوظائف القصيرة الأمد”.
غير أن ذلك لم يدم طويلاً.
فمع اندلاع أزمة دبلوماسية حادة مع واشنطن وإدارة الرئيس السابق دونالد ترامب العام 2018 والشروع في زيادة تدريجية لمعدلات الفائدة في الغرب، انهارت الليرة التركية، ما أدى إلى ارتفاع كلفة تسديد القروض بالدولار.
وقال مليح يشيلباغ إن “كلفة البناء أصبحت مرتفعة جداً”.
وواصل المقاولون دعم حكومة أردوغان لقاء حصولهم على مشاريع جديدة.
وأضاف: “تحول ذلك إلى ما يشبه علاقة محرمة، إذ شعر المقاولون أنّهم مرغمون على دعم حملة إعادة انتخاب أردوغان. لكن العائدات أصبحت سلبية على مر السنين”.
وأوجه الشبه بين الزلزال والأزمة الاقتصادية هذه السنة وظروف العام 1999 مذهلة.
فتخطى التضخم 85% في الخريف، مسجلاً أعلى مستوى منذ 1998، بعدما خفض أردوغان معدلات الفائدة سعيا لتحفيز الإنتاج.
ومع انهيار الليرة التركية، بات أردوغان يعول على دعم دول الخليج.
ويرى المحللون أن العقد الاجتماعي الذي يربطه بناخبيه انقطع.
غير أنهم يحذرون من أن الاستقطاب الشديد في تركيا قد يمنع مرشح المعارضة كمال كيليتشدار أوغلو من الفوز في الانتخابات.
واعتبر عثمان بالابان أن “الأضرار الجسيمة الناتجة عن الزلزال أطاحت بصورة الازدهار التي كان يفرضها أردوغان وحزبه”.
وأكثر ما أساء إلى هذه الصورة انهيار العديد من المباني المشيدة في عهد أردوغان خلال ثوانٍ عند وقوع الزلزال، ما كشف عن عدم احترام معايير البناء المقاومة للزلازل.
وقال بالابان إن هذا “قد يؤثر على الانتخابات، لكنني لا أدري إن كان كافياً للتسبب بسقوط أردوغان”.
