العلوم والتكنولوجيا

الرسوم المتحركة والساعات التي تعلّمنا خلالها الانتظار

0 0
Read Time:4 Minute, 19 Second

كيف ساهمت جداول عرض التلفزيون في أوائل الألفية الثانية في تشكيل خيال الأطفال، وقدرتهم على التركيز، وذاكرتهم العاطفية، في عالم كان يسبق عصر البث التدفقي؟

في أوائل الألفية الثانية في لبنان، كانت للطفولة وتيرة يصعب تخيّلها اليوم. بعد المدرسة، كان الأطفال يسارعون إلى العودة إلى المنزل، يتناولون وجبة خفيفة سريعة، ثم تبدأ شاشة التلفزيون بالحياة. لم تكن قنوات مثل “تيجي” و”تيلي تون” مجرد ضجيج في الخلفية، بل كانت وجهات في ذاتها. فقد كانت تنظّم فترة بعد الظهر وتخلق عالماً عاطفياً مشتركاً لجيل نشأ على الرسوم المتحركة الأوروبية والعالمية المدبلجة.

وعند استعادة تلك الذكريات اليوم، لا يبرز ما يلفت النظر في المسلسلات نفسها فحسب، بل أيضاً الطريقة التي كنا نعيش بها تجربة مشاهدتها. فالرسوم المتحركة لم تكن متاحة في أي وقت نريده، بل كانت شيئاً ننتظره.

 

 

عندما شكّلت الرسوم المتحركة شخصياتنا

بالنسبة إلى كثيرين من الأطفال، كانت الرسوم المتحركة أول مساحة تتشكّل فيها ملامح الهوية بشكل غير مباشر. فالمشاهدة لم تكن تجربة سلبية، إذ كان كل طفل يُسقط نفسه على إحدى الشخصيات.

فبعضهم وجد نفسه في ثقة “لوكي لوك”، فيما تعاطف آخرون مع ارتباك “داني فانتوم”. أما “سبونج بوب سكوير بانتس” فكان يقدم الكوميديا العبثية والهروب من الواقع، في حين جمع “وينكس كلوب” بين السحر والمعارك والأناقة، بطريقة جعلت شخصياته تبدو نماذج يُطمح إلى التشبه بها.

 

مشهد من مسلسل الرسوم المتحركة لوكي لوك (Lucky Luke).

مشهد من مسلسل الرسوم المتحركة لوكي لوك (Lucky Luke).

 

كما وسّعت المسلسلات المدبلجة إلى الفرنسية، مثل “مارتن ماتان” و”مارتن ميستيري” و”أفاتار”، مساحة الخيال أكثر. فقد أتاحت هذه العوالم للأطفال أن “يجربوا” حالات عاطفية وهويات مختلفة، من دون أن يدركوا ذلك بالضرورة.

لكن التلفزيون لم يكن سوى جزء من الحكاية. فطبقة أخرى من السرد كانت قد ساهمت في تشكيل الخيال قبل وقت طويل من تشغيل الشاشة.

 

مشهد من مسلسل الرسوم المتحركة وينكس كلوب (Winx Club).

مشهد من مسلسل الرسوم المتحركة وينكس كلوب (Winx Club).

 

قبل الشاشات: قصص تُروى عبر الصفحات

قبل عصر البث التدفقي والوصول الدائم إلى التلفزيون، كان كثير من هذه العوالم يصل إلى الأطفال عبر الكتب والقصص المصورة. وقد أدّى السرد المصوّر، أو “القصص المصورة” (BDs)، دوراً أساسياً في تشكيل مخيلة الطفولة.

فقد حمل “تان تان” و”أستيريكس” و”مارسوبيلامي” المغامرة والفكاهة وعوالم واضحة المعالم من الناحية الأخلاقية. وكانت هذه القصص تتطلب تفاعلاً أبطأ، بحيث يملأ الخيال ما لم تعرضه الصور.

وبعض القصص حمل وزناً عاطفياً أعمق. فقد عرّفت “مصائب صوفي” الأطفال على الوحدة والانضباط والحزن. ولم تكن قصص الطفولة دائماً تخفف من قسوة الواقع أو تحاول تجميله.

وعبر الكتب والقصص المصورة والتلفزيون، بدت الحكايات أكثر ترابطاً وطبقات، بدلاً من أن تكون مجزأة. وقد ساهم هذا التراكم في تشكيل مفهوم الانتظار نفسه.

 

مشهد من مسلسل الرسوم المتحركة السنافر (Les Schtroumpfs).

مشهد من مسلسل الرسوم المتحركة السنافر (Les Schtroumpfs).

 

عندما جعل الانتظار كل شيء أكثر قوة

على عكس اليوم، كانت الرسوم المتحركة في أوائل الألفية الثانية تخضع لجداول عرض صارمة. كانت الحلقات تُبث في أوقات محددة، يومياً أو أسبوعياً. وإذا فاتتك الحلقة، فقد فاتتك فعلاً. لم يكن هناك إعادة فورية، ولا منصات بث، ولا خوارزميات تقترح عليك ما تشاهده.

وهذا خلق حالة من الترقب.

كان الأطفال ينظمون فترات بعد الظهر وفق مواعيد عرض برامجهم المفضلة. وأصبح الفاصل بين الحلقات جزءاً من التجربة نفسها. وفي بعض المنازل، كانت الحلقات تُسجّل على أشرطة، لأن فرصة إعادة مشاهدتها لم تكن مضمونة. وهذا وحده كان كفيلاً منحها قيمة أكبر.

ولأن الوصول كان محدوداً، كانت طبيعة التنبه مختلفة. كانت المشاهدة أكثر تركيزاً، وكانت الحلقات تبدو كأنها أحداث في ذاتها، لا مجرد محتوى. وهذه الكثافة تراجعت إلى حد كبير اليوم.

 

من الترقب إلى الوفرة

اليوم، أصبحت الرسوم المتحركة متاحة فوراً. فقد أزالت منصات البث والمكتبات الرقمية تقريباً كل المعوقات التي كانت تحول دون الوصول إليها.

وهذا غيّر البنية العاطفية للمشاهدة. حلّت الفورية محل الترقب. لم تعد الحلقات تبدو نادرة، بل أصبحت جزءاً من تدفق دائم من المحتوى. وأصبحت المشاهدة متواصلة بدلاً من أن تكون مرتبطة بجدول زمني محدد.

ومع الوفرة، ظهر نمط مختلف من التنبه: انتظار أقل، ولكن أيضاً تراكم أقل للمشاعر. ندرة أقل، لكن غالباً كثافة أقل.

 

تغيّر السرد في ظل اقتصاد التنبه المتغيّر

مع تغيّر طريقة الوصول إلى المحتوى، تغيّر أسلوب السرد أيضاً. فالرسوم المتحركة الحديثة تعتمد على إيقاع أسرع، وصور أكثر حدة، وحبكات أقصر، بما يتناسب مع التنبه المتقطع.

أما الرسوم المتحركة الأوروبية القديمة، فكانت تتقدم بوتيرة أبطأ، وتركّز على الاستمرارية العاطفية والتطور التدريجي. والاختلاف هنا لا يتعلق بالأسلوب فحسب، بل بالبنية أيضاً.

أحدهما بُني على الانتظار، والآخر على الوصول الفوري.

 

ما كانت عليه الرسوم المتحركة، وما زالت عليه

لم تكن الرسوم المتحركة يوماً مجرد وسيلة للترفيه. بالنسبة إلى الأطفال الذين نشأوا في لبنان في أوائل الألفية الثانية، كانت مراسي عاطفية، وجسوراً ثقافية، وأدوات لتوسيع الخيال.

كانت موجودة في ظل الندرة، وهذا ما منحها معناها. وكانت تتطلب الصبر، وهذا ما جعلها عالقة في الذاكرة. وكانت تجربة مشتركة، وهذا ما جعلها جزءاً من ذاكرة جماعية.

أما اليوم، فهي موجودة في ظل الوفرة: متاحة دائماً، وقابلة للاستبدال دائماً.

لا يعني ذلك أن أحد النظامين أفضل أو أسوأ من الآخر، لكن كلاً منهما يصنع طفولة مختلفة.

وربما لا يكمن السؤال الحقيقي في ما كانت عليه الرسوم المتحركة في الماضي، بل في نوع الذاكرة العاطفية التي تتشكل عندما لا نفوّت شيئاً إطلاقاً.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *