تعهدات تحييد لبنان… من جرّب المجرّب!
منذ قيام نائب وزير الخارجية الإيراني بزيارته الأخيرة إلى بيروت قبل أسبوعين، راحت مجموعة نيابية وإعلامية موالية لإيران تسرب ما مفاده أن المسؤول الإيراني أعلن جهاراً نهاراً أن نظام بلاده لن يطلب من “حزب الله” الانخراط في الرد على إسرائيل إذا حصلت مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة الأميركية وايران. إقترن الأمربمزيد من التسريبات التي صوّرت كأنها تعكس “تعهداً” مزعوماً من “حزب الله ” مُرّر إلى من يعنيهم الأمر، وفي مقدمهم شريك الحزب في الثنائية الشيعية الرئيس نبيه بري وعبره الى أركان “سلطة الوصاية الأميركية- الإسرائيلية”، بحسب التسمية الدائمة للحزب وإعلامه لأركان الدولة اللبنانية الحاليين. تطرح هذه المناورة المكشوفة وغير المفاجئة إطلاقاً، جوانب تتصل بظروف الحزب أولاً في توقيت تمرير مناورات مماثلة، قبل التعامل اللازم مع منسوب الجدية المزعومة في أي تعهد له ومستواه بعدم توريط بيئته ولبنان مجدداً في حرب إسنادً مدمرة ثالثة في ثلاث سنوات توالياً.
ففي المقام الأول لا يمكن تجاهل “تسلل” تعهد من هذا النوع بمعزلٍ عن توقيت ظروف الحزب المحرج إلى حدود خانقة في ملف المتفجرات، حتى لو كابر وعاند وأظهر ذروة الإنكار في عدم الاعتراف بنزع صفة المقاومة عنه، والتعامل الأمني والقضائي مع ملف المتفجرات باعتباره صنيعة ميليشيا في أقل التوصيفات، وربما على الأرجح منظمة إرهابية إذا أحيل الملف على المجلس العدلي. صحيح أن توافقات الرئاسات الثلاث منحت الحزب تمديداً لفترة المناورات مع ملف المتفجرات ولكنها لن تحول دون ترسيخ مسار تعامل صار الزامياً للسلطات السياسية والأمنية والقضائية في المضي قدماً بملاحقة الحزب على أساس توصيفٍ قانوني حاسم يسقط بالكامل زعم “المقاومة” في العبث بالأمن القومي والوطني اللبناني، وهو الأمر الذي يحاول الحزب بشكل واضح حجبه والتستر عليه بمناورة التعهد بعدم التورط مجدداً في أي حربٍ إقليمية.
أما في جدية التعهد من عدمه، فالمسألة تفتح ملفاً “تاريخياً” مثقلاً بالتعهدات المماثلة، ليس في تجربتي حربي الإسناد لـ غزة وايران الأخيرتين، وإنما قبل ذلك بمدة طويلة ترقى إلى حرب تموز عام 2006، بما يشكل مضبطةً طويلة جداً لسلوكيات تعامل “حزب الله” مع من يفترض أنهم شركاؤه في السلطة والحكومات المتعاقبة، كما حلفاء له في السياسة والشارع والبيئة يتقاسمون الطائفة نفسها والمناطق إياها. معلوم أن قصة التعهدات التي كانت تقطع نهاراً وتنهار ليلاً بدأت مع إبلاغ الأمين العام الراحل للحزب السيد حسن نصرالله أركان “طاولة الحوار” في مقتبل صيف 2006 تعهداً حاسماً بعدم فتح أي مواجهة ميدانية مع إسرائيل، وكانت النكسة الكبيرة بعد أيام قليلة في عملية مباغتة للحزب بخطف مجموعة جنود إسرائيليين وقتلهم في مزارع شبعا أشعلت حرب تموز التي استمرت شهراً وانتهت بالقرار 1701. وتكررت الطبعة إياها، ولكن في إطار محدود وليس عبر أركان الحوار هذه المرة بل عبر شركاء الثنائية الشيعية إياها، في حرب إسناد غزة أولاً حيث طار التعهد بعد 24 ساعة فقط من عملية “طوفان الأقصى” عندما أشعل الحزب تورطه بداية من مزارع شبعا، ومن ثم تكرر المكرر في حرب إسناد إيران غداة اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي بصلية من ستة صواريخ للحزب على شمال إسرائيل.
اعتاد الحزب الاختباء وراء ما تسمى “مشروعية الخداع في العمل المقاوم” لإسقاط تعهداته، فكيف تراه سيصدق هذه المرة إن أتته الأوامر بالتورط، فيما صفة المقاومة باتت من التاريخ؟
