أطفال في جنوب لبنان يعرفون قراهم من الصور وروايات الوالدَين: أي ذاكرة تتكوّن لديهم؟ , “عدد النازحين” من “النهار” وUNHCR: دفاعاً عن الحق الإنساني
فاتن كحيل
يحفظون أسماء قراهم، ويعرفون أشكال منازلهم من الصور، ويستمعون إلى حكايات آبائهم عن الشوارع والمدارس والجيران، وإلى ذكريات أجدادهم عن أشجار الزيتون والأرض. لكنّ عدداً من أطفال جنوب لبنان لم يعيشوا في قراهم وقتاً كافياً ليصنعوا فيها ذكرياتهم الخاصة، بعدما بلغ التهجير عامه الثالث. جيل جديد ينشأ بعيداً من الخيام ويارون وبنت جبيل وعيتا الشعب وميس الجبل وغيرها من قرى الجنوب.
قد يبدو السؤال “هل تعرف قريتك؟” بسيطاً، لكنه بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال أكثر تعقيداً. فالمسألة لا تتعلق فقط بالنزوح والابتعاد عن المنزل، بل بأن بعضهم لم يحصل أصلاً على الوقت الكافي ليعيش طفولته فيه ويحوّل المكان إلى جزء من ذاكرته الشخصية.
قرية… في أحاديث البيت
عند العائلات النازحة، بقيت القرية حاضرة في الأحاديث اليوميّة. تُروى حكايات المنزل قبل تدميره، والمدرسة التي درس فيها الأهل، والجيران، والأعياد، وفصل الصيف، والزيارات، وأشجار الزيتون وشتلة التبغ.
يقول كريم ان معرفته بقريته محدودة، اذ يريه والده صور منزل العائلة ويتحدث أمامه عن الأماكن التي كان يلهو فيها وعن أصدقائه والمكان الذي كان يعمل فيه جده.
يعرف كريم الكثير عن القرية، لكنه عندما يُطلب منه الحديث عن ذكريات شخصية عاشها فيها، يجد نفسه أمام شبه فراغ لا تستطيع الصور والحكايات أن تملأه.

النزوح يُغيّر حياة الطفل
لا يقتصر أثر النزوح على فقدان المنزل. فالطفل الذي ينتقل من مكان إلى آخر يخسر مدرسته وأصدقاءه وأماكن اللعب وعاداته، والبيئة التي اعتاد أن يشعر فيها بالأمان.
وتروي أمل، شابة من ميس الجبل، كيف عاشت أكثر من تغيير في مكان السكن والتعليم. تنقلت بين التعليم عن بعد، ومدرسة أقيمت في مبانٍ موقتة، ثم واجهت نزوحاً جديداً فرض عليها الانتقال مرة أخرى.
في بعض الحالات، اضطرّ الأهل إلى إبلاغ أبنائهم بأنّ المنزل الذي عرفوه لم يعد قائماً. يقول أبو علي إن أطفاله دخلوا في نوبة بكاء بعدما علموا أنّ منزل العائلة في يارون قد دُمّر.
بالنسبة إلى طفل لم تتح له فرصة العيش طويلاً في المنزل، قد تكون الصورة هي الرابط الأساسي بينه وبين المكان. وعندما يختفي المنزل، لا يختفي بناء مادي فحسب، بل يضيع أيضاً جزء من الذاكرة التي كان يمكن أن تتكون بمرور السنوات.
فقدان المكان… ضغط نفسي
النزوح المتكرر يترك أثراً يتجاوز الحنين. فالانتقال المستمر بين أماكن مختلفة، والعيش في ظروف موقتة وأماكن مكتظّة، والابتعاد عن المنزل والعائلة والمحيط المعتاد، كلها عوامل يمكن أن تزيد الضيق النفسي لدى الأطفال.
تشير الاختصاصيّة النفسيّة دانيال بيشون إلى أن الأطفال النازحين قد يواجهون ضائقة نفسيّة شديدة عندما يجدون أنفسهم في أماكن موقتة أو مكتظّة، بعيداً من منازلهم وبيئتهم المعتادة. ويمكن أن يفقدوا جزءاً من عاداتهم اليوميّة وإحساسهم بالاستقرار، وقد يبتعدون أيضاً عن أفراد عائلاتهم الممتدة. وتصف هذا الواقع بأنه أشبه بـ”فراغ عائلي وعاطفي”، تسوده حالة من عدم الاستقرار والقلق.
ولا ينتج الضغط النفسي بالضرورة من حادث واحد، بل قد يكون نتيجة تراكم الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص والأماكن وتبدل الحياة اليومية، من دون أن يحصل الطفل على الوقت أو الظروف الكافية للتعافي.
وبحسب بيانات اليونيسف، نحو 770 ألف طفل في لبنان كانوا يواجهون ضائقة نفسية متزايدة نتيجة التعرض المتكرر للعنف والخسارة والنزوح، مع تسجيل أعراض بينها الخوف الشديد والقلق والكوابيس واضطرابات النوم والشعور باليأس.

مكان لم يعد مألوفاً
حتّى العودة إلى الجنوب قد لا تكون بالنسبة إلى بعض الأطفال عودة بالمعنى الكامل للكلمة.
يوسف، من عيترون، يخشى العودة لأنه لا يعرف كيف سيبدو المكان بعد كل ما تغيّر فيه، ولا ما سيجد في الموقع الذي ظل بالنسبة إليه طوال سنوات صورة أكثر منه تجربة.
عندها يجد الطفل نفسه أمام صورتين للقرية: صورة تشكلت في مخيلته من الطفولة ومن روايات والديه وذكريات أجداده، وأخرى سيكتشفها على أرض الواقع. لذلك ربما تكون العودة بداية تعرّف إلى مكان يفترض أن يكون وطنهم، لكنه أصبح غريباً.
ولم يقتصر الضررعلى المنازل والطرق، بل طال المشهد الطبيعي الذي يشكل جزءاً من ذاكرة الجنوب. ففي يارون، أتت النيران في آب 2026 على أكثر من 120 هكتاراً من بساتين الزيتون، بينها أشجار يعود عمر بعضها إلى مئات السنين.
ما لا تعيده إعادة الإعمار
قد تعود العائلات إلى الجنوب، وتُرمم المنازل والمدارس، وتستعيد القرى بعضاً من حياتها. لكن بعض الأطفال سيواجهون تحديات مختلفة تتعلق ببناء علاقتهم الشخصية الأولى مع مكان ورثوا اسمه وصوره وحكاياته، من دون أن تكون لهم فيه ذكريات كافية.
