التشويش على “جي بي إس”… من يدفع فاتورة اضطراب الملاحة؟
قد تكون الطائرة جاهزة، والمطار مفتوحاً، والطقس مناسباً، ومع ذلك تتعطل رحلة لأن إشارات الملاحة التي تعتمد عليها إجراءات الوصول لم تعد موثوقة. هذا ما حدث حين علّقت شركة “فين إير” رحلاتها اليومية إلى تارتو في إستونيا بين 29 نيسان/أبريل و31 أيار/مايو 2024، لإتاحة تجهيز وسيلة اقتراب لا تعتمد على نظام “جي بي إس”.
تختصر الواقعة جانباً من اقتصاد التشويش: لا تبدأ التكلفة بالتراكم عند وقوع حادث، بل عند اضطرار الشركات والمطارات إلى تغيير طريقة العمل للحفاظ على السلامة واستمرار الخدمة.
إشارات مضللة وفاتورة متزايدة
في 3 تموز/يوليو 2026، حدّثت وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي (إياسا) نشرة السلامة المتعلقة باضطراب أنظمة الملاحة العالمية بالأقمار الاصطناعية، المعروفة اختصاراً باسم “جي إن إس إس”، ومن بينها نظام “جي بي إس” الأميركي.
وتفرق الوكالة بين التشويش، الذي يعطّل استقبال الإشارات أو يضعفها، والتزييف، الذي يرسل إشارات مضللة تجعل الأجهزة تحسب موقعاً أو توقيتاً غير صحيح. وقد يكون اكتشاف التزييف أصعب لأن الجهاز قد يستمر في تقديم معلومات تبدو سليمة.
وتشمل المناطق المتأثرة محيط مناطق النزاع والتوتر الجيوسياسي، ومنها الشرق الأوسط والبحر الأسود والبلطيق وأجزاء من البحر المتوسط.
وتظهر بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) اتساع المشكلة: ارتفعت بلاغات التشويش المسجلة في عام 2025 بنسبة 67% مقارنة بعام 2023، بينما ازدادت بلاغات تزييف إشارات “جي بي إس” بنسبة 193%.
من يتحمل تكلفة الاضطراب؟
تظهر الصلة المباشرة بالاقتصاد في توصيات “إياسا” نفسها، إذ تدعو إلى احتساب احتمال مسارات اقتراب وانتظار أطول عند تخطيط الوقود، وتشير إلى حالات استدعت تغيير المسار أو التحويل إلى وجهة أخرى لضمان السلامة.
بالنسبة إلى شركات الطيران، يمكن أن يعني ذلك وقوداً إضافياً وتأخيراً في تشغيل الطائرات واضطراباً في الجداول. وقد تمتد الآثار إلى الركاب الذين يفوتون رحلات الربط، وأصحاب البضائع الذين ينتظرون وصول شحناتهم.
أما المطارات والجهات المقدمة لخدمات الملاحة الجوية، فتتحمل تكلفة الحفاظ على وسائل بديلة، وتحديث الإجراءات وتدريب العاملين وتحسين مراقبة الاضطرابات.
وقد تمتص الشركات بعض التكلفة عبر انخفاض الأرباح، أو تنقل جزءاً منها إلى العملاء بحسب المنافسة والطلب والعقود. لكن لا تتوافر في المصادر التي تناولت المشكلة حصيلة عالمية موثوقة تحدد فاتورة التشويش.
ويمتد الخطر إلى البحر أيضاً، حيث قد تقود بيانات الموقع المضللة السفن خارج مساراتها وتزيد احتمالات التصادم والجنوح. غير أن ارتفاع تكلفة التأمين في مناطق النزاع يرتبط بعوامل متعددة، تشمل الهجمات والإغلاق، وليس بالتشويش وحده.
الاستثمار في البدائل
توصيات الوكالة الأوروبية، وهي إرشادات غير إلزامية بحد ذاتها، تشمل تحسين التواصل بين الطيارين والمراقبين، والتدريب، والتحقق من جاهزية الأنظمة البديلة وإدارة القدرة الاستيعابية للمراقبة الجوية.
وهذا يفتح مجالاً للاستثمار في أدوات كشف التشويش، وتجهيزات أكثر مقاومة، وبنية ملاحة لا تعتمد على مصدر واحد للمعلومات.
ويمكن للطائرات مواصلة العمل بأمان عند فقدان إشارات الملاحة بالأقمار الاصطناعية، بالاعتماد على وسائل بديلة وإجراءات مناسبة، بحسب تجهيزاتها ومتطلبات الرحلة. لكن الحفاظ على الكفاءة وانتظام الرحلات يتطلب استعداداً مسبقاً.
وهنا تكمن الفاتورة الأوسع: الاستثمار في استمرارية الخدمة قبل تعطلها، بدلاً من تحمل تكلفة التأخير والاضطراب بعدها.
