“صدمة الدولار”.. شلل يصيب أسواق العراق عقب خفض الحكومة قيمة الدينار
أصيبت كبرى أسواق العراق بحالة من الشلل بعد إعلان الحكومة الأربعاء تغيير سعر صرف الدولار أمام الدينار، حيث أغلقت مخازن التجار والمحال في سوق الشورجة، و”علوة جميلة” وسط بغداد، كما أوقفت عددٌ من شركات الصيرفة والتحويلات المالية أعمالها.
وأعلن البنك المركزي العراقي خفض قيمة الدينار أمام الدولار بنحو 15 بالمئة، حيث رفع سعر الصرف الرسمي للدولار من 1320 ديناراً إلى 1520 ديناراً، في وقت شهدت فيه السوق الموازية قفزات سبقت القرار لتصل إلى نحو 170 ألف دينار لكل 100 دولار تأثراً بالتسريبات والتوقعات.
اظهار أخبار متعلقة
وجاء القرار في وقت تعاني فيه خزينة الدولة من نقص حاد في السيولة، حيث تحتاج الحكومة العراقية إلى تأمين ما لا يقل عن 10 تريليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب والنفقات العامة، وفق تصريحات حكومية سابقة، بينما يشكل النفط نحو 90 بالمئة من موارد الموازنة.
ويعتبر سوق الشورجة، المركز الاقتصادي الأكبر والأهم لمختلف السلع والبضائع الغذائية والمنزلية والملابس والسجائر وغيرها من المتطلبات الضرورية اليومية لحياة المواطنين لبغداد والمحافظات، كما تعتبر “علوة جميلة” المصدر الأساسي للمواد الغذائية الجافة والزراعية وهي الممول الرئيسي لها للعاصمة والمحافظات المجاورة.
ويعتمد التجار العراقيون في عمليات البيع والشراء على حساب قيمة الدينار العراقي أمام الدولار الأمريكي الذي به يستوردون بضائعهم ويجرون تحويلاتهم المالية، حيث أربك قرار البنك المركزي الأسواق واضطر كثيرون منهم إلى وقف تعاملاتهم المالية إلى حين استقرار الأوضاع.
المواطن خسر نحو نصف دخله الشهري
وحذر الخبير الاقتصادي محمد الحسني من التداعيات، مؤكداً أنها “تضر جميع شرائح الشعب”، وأوضح أن الموظف يخسر، وفق تقديره، 30 بالمئة من قيمة راتبه، فيما ترتفع خسارة المواطن في القدرة على شراء المواد إلى أكثر من 70 بالمئة بسبب التعرفة الجمركية وتكاليف النقل.
وفي تصريح لوكالة “شفق نيوز”، قال الحسني إن الخلاصة هي خسارة المواطن نحو 50 بالمئة من دخله شهرياً، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثل استقطاعاً من دخول المواطنين، ومحذراً من تداعياتها على الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
تبرير البنك المركزي لقراره
بدوره، وصف البنك المركزي العراقي قرار خفض قيمة الدينار مقابل الدولار الأمريكي بأنه “خطوة استراتيجية” لتعزيز الاستقرار المالي، مطمئناً المواطنين والقطاع الاقتصادي إلى كفاية وقوة احتياطياته الأجنبية.
وفي بيان له، قال البنك المركزي إن تعديل سعر الصرف جاء في إطار التزام البنك والحكومة بتحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام وضمان التنمية الشاملة، وبناءً على التنسيق المشترك مع مجلس الوزراء، واستناداً إلى أحكام قانون البنك المركزي رقم (56) لسنة 2004 المعدل.
وأضاف أن هذا التعديل “الإيجابي” يفتح آفاقاً جديدة وملموسة تخدم الاقتصاد الوطني والمواطن بشكل مباشر، من خلال دعم المنتج الوطني والصناعة المحلية، وتيسير المنافسة العادلة للسلع العراقية في الأسواق أمام المنتجات المستوردة.
وأشار إلى أن ذلك يشجع على توسيع المصانع والشركات الوطنية، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة ومحفزة للقطاعات الإنتاجية غير النفطية، وخلق فرص عمل جديدة تفتح المجال أمام المشاريع الصغيرة والمتوسطة للتوسع، بما يسهم بشكل مباشر في تشغيل الشباب العراقي وتقليل نسبة البطالة.
جلسة برلمانية طارئة لاستضافة المالية والمركزي
وفي السياق، قال نائب عراقي إن رئيس مجلس النواب وجّه باستضافة محافظ البنك المركزي ووزير المالية في جلسة خاصة، للاطلاع على أسباب رفع سعر صرف الدولار وتداعيات القرار، فضلاً عن بحث سبل معالجته.
بدوره، قال النائب عزيز ناصر، خلال مؤتمر صحفي عقده في البرلمان، إن أعضاء مجلس النواب لا يعلمون طريقة رفع سعر صرف الدولار، وكان يفترض بالبنك المركزي إطلاع المجلس على أسباب القرار وتأثيراته في الأسعار.
وأضاف أن “المسؤولية الوطنية والأخلاقية” تقتضي التحفظ على طريقة تغيير سعر صرف الدولار، متسائلاً عن ذنب المواطن تجاه ما يحدث في الاقتصاد وتأثيراته في السوق.
وفي السياق، قالت النائبة عن ائتلاف الإعمار والتنمية صبا السعدي، إن ما يشهده سعر صرف الدولار يمثل “نتيجة مباشرة لعجز السياسة المالية والنقدية”، معتبرة أن وزارة المالية والبنك المركزي يتحملان مسؤولية ما وصفته بـ”التخبط الواضح”.
وفي غضون ذلك، أعلنت عضو لجنة الصناعة النيابية سوزان السعد جمع أكثر من 50 توقيعاً من أعضاء مجلس النواب للمطالبة بإيقاف جدول أعمال جلسة اليوم وتخصيصها لمناقشة قرار رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي.
مستشار الحكومة يوضح
وأكد مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، أن الإجراءات المرتبطة بسعر الصرف والجمارك والضرائب والإنفاق الحكومي تأتي ضمن إطار التحوط المسبق لمواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية والدولية، وحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي، ولا تعكس وجود اختلال اقتصادي أو توجهاً نحو تغيير مفاجئ في سعر الصرف.
وفي تصريح لوكالة الأنباء العراقية، أوضح صالح أن هذه التدابير تستهدف بناء هامش أمان لمواجهة أي تراجع محتمل في الإيرادات النفطية أو تدفقات النقد الأجنبي، وضمان تمويل التجارة الخارجية والإنفاق العام، مع حماية القوة الشرائية واستقرار الأسعار وتوفير السلع والخدمات الأساسية.
تجارة بغداد تطالب ببيئة مستقرة
على الجانب الآخر، حذرت غرفة تجارة بغداد في بيان رسمي، من أن أي تغيير في سعر الصرف يمثل “عاملاً مؤثراً” بصورة مباشرة في كلف الاستيراد وأسعار السلع والخدمات، ولاسيما أن شريحة واسعة من التجار ترتبط بالتزامات مالية وعقود تجارية مع شركات وموردين خارج العراق.
وأكد رئيس الغرفة فراس رسول الحمداني أن المرحلة الحالية تتطلب دراسة الآثار المترتبة على القرار بصورة شاملة، مع الأخذ بنظر الاعتبار أوضاع الأسواق المحلية والقدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن الالتزامات المترتبة على التجار والمستوردين والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
المقاولون العراقيون يحذرون
بدوره، طالب اتحاد المقاولين العراقيين، رئيس الوزراء علي الزيدي بالتريث في تطبيق قرار مجلس الوزراء رقم (544) لسنة 2026، المتعلق بزيادة سعر صرف الدولار مقابل الدينار، محذراً من تداعياته المالية على عقود ومشاريع القطاع الحكومي.
وقال الاتحاد، إن شركات المقاولات ما تزال تتحمل آثار التعديل السابق لسعر الصرف بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (301) لسنة 2021، فيما لم تُصرف حتى الآن المستحقات المالية المترتبة على ذلك التعديل.
وأشار إلى أن تداعيات قرار رفع سعر الصرف لا تقتصر على العقود القائمة، بل تشمل أيضاً العقود التي لا تزال في مراحل الدراسة أو الإحالة ولم تدخل حيز التعاقد، ما قد يؤدي إلى إبرام عقود لا تتناسب مع الكلف الفعلية للتنفيذ.
وأوضح الاتحاد أن استمرار تطبيق القرار سيؤدي إلى ارتفاع كُلف المشاريع والمواد والنقل والخدمات، وتآكل الهوامش المالية المقررة، فضلاً عن زيادة الحاجة إلى السيولة والتمويل وتحميل شركات المقاولات أعباء إضافية قد تؤثر في قدرتها على الاستمرار.
ولفت إلى أن الضغوط التضخمية التي تشهدها مختلف القطاعات الاقتصادية، ومنها قطاع المقاولات، تزيد من التداعيات المالية على استمرارية المشاريع والاقتصاد الوطني.
مرصد يوثق قفزات الدولار
ووثّق مرصد “إيكو عراق” الاقتصادي ست موجات ارتفاع لافتة لسعر صرف الدولار في السوق الموازية مقابل السعر الرسمي خلال عام 2026، فيما حذرت غرفة تجارة بغداد من الآثار المترتبة على تعديل سعر الصرف على كُلف الاستيراد وحركة الأسواق.
وأوضح المرصد في بيان أن أسعار الصرف الموازية سجلت مستويات قياسية جديدة مع كل موجة صعود، مبيناً أن أبرز محطات الارتفاع بدأت في كانون الثاني/يناير بوصول السعر إلى نحو 150,400 دينار لكل 100 دولار، ثم تجاوز 155 ألف دينار في آذار/مارس.
وحذّر “إيكو عراق” من اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، وما يترتب عليه من زيادة تكاليف الاستيراد وتراجع القوة الشرائية وانعكاس ذلك على أسعار السلع والخدمات، داعياً إلى ضبط المضاربات وتعزيز تدفق العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية.
ضغوط حرب إيران وغلق هرمز
وتصاعدت الضغوط على المالية العامة العراقية منذ اندلاع الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، إذ تعتمد الحكومة بصورة كبيرة على إيرادات بيع النفط في تمويل الإنفاق العام، بينما تسبب تعطل جزء من الصادرات في تراجع تدفقات الدولار إلى البلاد.
وفي حزيران/ يونيو، أكدت الحكومة العراقية عدم وجود توجه لطباعة العملة أو خفض قيمة الدينار لتعويض نقص السيولة، كما نفى البنك المركزي حينها اعتزامه تعديل سعر الصرف بعد تداول وثيقة مزورة أشارت إلى احتمال رفع سعر الدولار إلى 1600 دينار.
اظهار أخبار متعلقة
وجاء القرار المفاجئ بعد نحو ثلاثة أشهر ونصف من تولي نزار ناصر حسين منصب محافظ البنك المركزي خلفاً لعلي محسن العلاق، في وقت كانت فيه البلاد تواجه ضغوطاً متزايدة من تراجع صادرات النفط، إلى جانب تشديد الرقابة الدولية على ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأنهى العراق رسمياً نظام مزادات الدولار مطلع عام 2024 تحت ضغط أمريكي للحد من تحويل الدولارات إلى كيانات خاضعة للعقوبات، ولا سيما إيران، وأدت القيود على المعروض من الدولار إلى ظهور سوق موازية واتساع الفارق بين السعر الرسمي والسعر المتداول فيها.
