اللغة والهوية والانتماء لدى المراهقين من جيل “زد”
*هيفا منير جابر
يشهد المجتمع المعاصر تحولات متسارعة بفعل الانتشار الهائل للإنترنت والتكنولوجيا الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، إذ لم تعد الرقمنة مجرد تطور في وسائل التواصل، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية ومن الطرق التي يتفاعل بها الأفراد ويتعلمون ويُعبّرون عن ذاتهم ويبنون علاقاتهم الاجتماعية.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة عند الأجيال الشابة، لا سيما جيل Z الذي نشأ وكبر مع التكنولوجيا، فأصبحت حاضرة في تفاصيل حياته اليومية، وأصبح أكثر ألفة بها وأقدر على التعامل معها والتكيف مع تطوراتها.
وقد أثار هذا التحول اهتماماً بارزاً لدى الباحثين بالعلاقة بين الأجيال الشابة والفضاء الرقمي، وما تكتسبه فيه من معانٍ وقيم ومعايير وأساليب تواصل وتفاعل، لا سيما أن هذا الفضاء يتسم بطابع ديناميكي ومتغير باستمرار، إذ تتجدد مضامينه بوتيرة متسارعة، ومن ثم قد لا تتمكن الأجيال السابقة من مواكبة هذه التحولات بالوتيرة نفسها، بما قد يؤدي إلى تراجع نسبي في فاعلية بعض مؤسسات التنشئة الاجتماعية، لا سيما الأسرة، في أداء دورها التوجيهي. وهو ما يطرح الحاجة إلى إعادة النظر في بعض الأساليب التنشئية والتوجيهية، وتعزيز الثقافة الرقمية والحد من الأمية الرقمية لدى الأجيال السابقة، بالقدر الذي تقتضيه الحاجة وطبيعة انخراط الشباب في هذه الفضاءات، وبما يتيح قدراً أكبر من الفهم والحوار بين الأجيال.
الفضاء الرقمي وتحولات التنشئة الاجتماعية بين الأجيال
في هذا السياق، أوجد الفضاء الرقمي عالماً واسعاً ومفتوحاً أسهم في تلاشي الحدود بين المساحات الاجتماعية وتجاوز كثير من القيود المكانية والاجتماعية، وفي ظل هذا الانفتاح غير المحدود، تبرز تحديات جديدة أمام مؤسسات التنشئة الاجتماعية في أدوارها المرتبطة بتشكيل الشخصية والهوية والاندماج، وفي تكوين رؤية الفرد إلى العالم وإكسابه القيم والمعايير وأنماط السلوك. وفي هذا الصدد، تشير دراسة أُجريت على الشباب في روسيا عام 2022 إلى أن هذه العملية لا تتسم بالثبات، بل تتغير وتتجدد بتغير الفضاء الرقمي، وأن منصات التواصل الاجتماعي باتت اليوم تؤدي دوراً في التنشئة الاجتماعية، لا بوصفها بديلاً عن الأسرة والمدرسة بل مكملة لهما.
غير أنه لا يمكن النظر إلى الشباب بوصفهم فئة متجانسة رقمياً، إذ قد تختلف تجاربهم ومستويات انخراطهم في الفضاء الرقمي تبعاً لعوامل متعددة أبرزها: التعليم والمهارات الرقمية والاهتمام بالتكنولوجيا، فضلاً عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
جماعة الأقران واللغة الرقمية وتحديات التواصل بين الأجيال
وتزداد المسألة تعقيداً حين لا يشارك المراهقون أسرهم تجاربهم وتفاعلاتهم داخل هذه المنصات بصورة كاملة، مما قد يخلق فجوة بين واقعهم الرقمي وتصورات الأهل وإدراكهم لهذا الواقع. وفي المقابل تكتسب جماعة الأقران أهمية خاصة في هذه المرحلة، ليس فقط بوصفها مصدراً للدعم والتفاعل، بل باعتبارها إطاراً يسعى المراهق داخله إلى القبول والانتماء وتقديم نفسه بما ينسجم بدرجات متفاوتة مع معايير الجماعة. وقد يدفع ذلك أحياناً إلى الامتثال لبعض ممارساتها، تجنباً للاستبعاد أو سعياً إلى القبول والمكانة داخلها.
وتشير بعض الأدبيات إلى هذه المسافة بين تجربة الأبناء وإدراك الأهل لها، فقد أظهرت مراجعة أدبية أُجريت في السويد عام 2018 مستندة إلى نماذج وتجارب متعددة أن أطفالاً في جنوب أفريقيا والفلبين يفضلون الأصدقاء على الأهل في طلب الدعم. وقد لا تكون المسألة في غياب النصيحة الأسرية أو قصورها بقدر ما تكمن في عدم ملاءمة لغتها ومضمونها للسياقات الاجتماعية والرقمية التي يتحرك داخلها جيل الأبناء. فما يبدو مناسباً من منظور الأهل قد لا يكون قابلاً للتطبيق داخل الجماعة ومعاييرها، بل قد تُفهم النصيحة وفق لغة الجماعة المتداولة بوصفها (Cringe). ومن هنا تبرز أهمية فهم تأثير الجماعة وما تنتجه من لغة ومعانٍ وأساليب تواصل وتفاعل، بما يساعد على تقديم توجيه أكثر قرباً من الواقع الذي يعيشه المراهق وأكثر ملاءمة لسياقه الاجتماعي والرقمي. ولا يعني ذلك تبنّي لغة الجيل أو مجاراتها بصورة دائمة، بل فهمها واستيعابها بما يعزز فاعلية الحوار والتوجيه، وهو ما يتطلب وعياً وجهداً منسقاً بين مؤسسات التنشئة والمتخصصين.

ويبدأ هذا الجهد من فهم طبيعة استخدام المراهقين للمنصات الرقمية ودوافعهم، إذ قد لا يكون الاستخدام بدافع رغبة شخصية بقدر ما يرتبط بالحاجة إلى الانتماء والخشية من الاستبعاد الاجتماعي، ولذلك قد لا يكون الخيار الأكثر ملاءمة هو الابتعاد عن هذه المنصات بصورة قاطعة، بقدر ما تبرز أهمية التوجيه والتواصل المفتوح والضبط اللين، إلى جانب تحقيق توازن بين وقت الشاشة والأنشطة الجسدية والاجتماعية، بما يسهم في الحد من الإفراط في استخدام الفضاء الرقمي.
تبرز أيضاً مسألة تتعلق بتسرب اللغة الرقمية إلى سياقات اجتماعية وتعليمية، فالاختصارات والرموز والتعبيرات المتداولة بين الأقران وعبر المنصات قد لا تبقى محصورة في التواصل الرقمي، بل قد تصل إلى التفاعل داخل الأسرة والمدرسة، وتظهر أحياناً في الكتابة الرسمية والأكاديمية. وتشير إلى ذلك مراجعة منهجية حديثة حول لغة المراهقين نُشرت عام 2026 وتناولت دراسات أجريت في ماليزيا والولايات المتحدة؛ إذ تبيّن أن نحو ثلث المشاركين ظهرت لديهم بعض الاختصارات والرموز والتعبيرات الرقمية في الكتابة الأكاديمية بصورة غير مقصودة.
وتلفت هذه النتائج إلى أهمية معرفة حدود استخدام هذه اللغة، إذ لا تكمن المسألة في الرفض والإلغاء، فهذه اللغة حاضرة ومتجددة وجزءٌ من أنماط التفاعل بين هذه الأجيال، وإنما تكمن المسألة في ضبط استخدامها والتمييز بين السياقات التي تلائمها وتلك التي تتطلب الالتزام باللغة الرسمية. وهذا بدوره تحدٍّ يواجه الأسر والمعلمين في التعامل مع لغة تتشكل أساساً داخل المنصات وجماعة الأقران، وتتسم بالاختصار وتعدد المعاني وسرعة التجدد، وقد لا تكون معانيها ودلالاتها واضحة للأجيال السابقة.
الطلاب يستخدمون اختصارات مستمدة من التواصل الرقمي في الكتابة باللغة الإنجليزية
وتظهر بعض ملامح هذه المسألة في البيئة المحلية، إذ أفاد بعض المعلمين بأن بعض الطلاب يستخدمون اختصارات مستمدة من التواصل الرقمي في الكتابة باللغة الإنجليزية، مثل coz وidk، ورغم أن هذه الملاحظة لا تكفي وحدها لإثبات انتشار الظاهرة، فإنها تبرز أهمية دراستها محلياً وفهم مدى انتقال اللغة الرقمية من التواصل اليومي إلى السياق المهني والأكاديمي.
يكشف انتقال اللغة الرقمية إلى سياقات مختلفة، وصولاً إلى الكتابة الأكاديمية، عن تحول أوسع؛ إذ لم تعد المنصات الرقمية مجرد مساحات للترفيه والتواصل، بل أصبحت فضاءً واسعاً متجاوزاً للحدود، وتُبنى فيه أشكالٌ من الانتماء والمعنى المشترك. وهنا يبرز التساؤل حول من يسهم في إنتاج المعاني والمعايير داخل هذا الفضاء وتوجيهها، وما المرجعيات التي تستند إليها، وما المصالح أو الغايات الكامنة وراء إنتاجها وانتشارها، سواء كانت مادية أو اجتماعية أو مرتبطة بالحضور والتأثير.
ومن جهة أخرى، إلى أي مدى يدرك الشباب مصادر هذا التأثير ومعانيه وحدوده، ولا سيما في البيئات المحافظة، وكيف تستقبل هذه البيئات المعاني والممارسات الرقمية وتعيد ضبطها وفق مرجعيتها المحلية؟ وإلى أي مدى تبقى هذه اللغة والمعاني محصورة في جماعات الأقران والمنصات؟
تزداد أهمية هذه التساؤلات عند النظر إلى التحول في أنماط التنشئة بين الأجيال، ففي أنماط التنشئة التقليدية، ولا سيما في البيئات المحافظة، كان انتقال القيم والمعايير يتخذ في الغالب اتجاهاً أكثر وضوحاً من الأكبر إلى الأصغر، إذ شكّل الكبار تاريخياً إحدى المرجعيات الأساسية في الضبط والتوجيه وتوقع الامتثال من الأجيال الأصغر سناً.
غير أن ذلك لا يعني اليوم اختفاء دور الأسرة، بل تغيّر السياق الذي تمارس فيه الأسرة هذا الدور، فالعلاقة التي كانت تقوم على مرجعية الكبار وسلطتهم أصبحت تتطلب اليوم قدراً أكبر من التفاعل والتفاوض والفهم المتبادل، في ظل جيل ينشأ داخل فضاء رقمي لا تتضح بعد حدود مخاطره ويتفاعل مع مرجعيات متعددة. ومن ثم تبرز الحاجة إلى فهم أعمق من جانب الأسر والتربويين والمتخصصين للتحولات التي تطال اللغة والهوية والانتماء وأنماط التفاعل، قبل أن تتحول المسافة بين المرجعيات التي يعيش ضمنها كل جيل إلى فجوة تعيق التواصل بينهما.
ويتطلب ذلك جهداً منسقاً تشارك فيه جميع الجهات المعنية، إذ إن التعامل مع فضاء رقمي ديناميكي لا يمكن أن يقوم على استجابة جامدة، وإنما على مواكبة مستمرة وحوار واطلاع وتكييف الدور التوجيهي والتربوي.
وفضلاً عن ذلك لا يقتصر الهدف على أن تفهم الأجيال السابقة العالم الرقمي، بل يمتد إلى مساعدة الأجيال الشابة على التعامل النقدي مع ما يتلقونه من محتوى وغاياته، والتمييز بين ما يتوافق مع البيئة والقيم وما يتعارض معها، وامتلاك القدرة على الانتقاء بدلاً من التلقي التام والتداول المضلل. ولعل التحدي الأكثر أهمية هنا هو الحفاظ على مساحة يستطيع فيها المراهق أن يتحدث عما يراه ويعيشه ويتعرض له دون حكم مسبق أو خوف أو رفض، لأن معرفة ما يجري في عالمه هي الأساس لفهمه ومساعدته.
