اقتصاد

هل يتمكن العراق وسوريا ولبنان من تشكيل خريطة مسارات جديدة للطاقة؟

0 0
Read Time:5 Minute, 51 Second

تفتح التغيرات الجيوسياسية التي تشهدها الخريطة الاقتصادية في الشرق الأوسط، والناتجة عن اضطراب الممرات البحرية وسلاسل الإمداد بسبب الحرب على إيران، فرصاً جديدة أمام العراق ولبنان وسوريا لبناء شراكة تقوم على التكامل بين المرافئ والخبرات الصناعية والتمويلية والتسويقية في هذه الدول.

حالياً تلوح أمام هذه الدول الثلاث فرصة اقتصادية نادرة تجاه تحويل موقعها الجغرافي من ساحة للصراعات وتقاطعات النفوذ إلى شبكة استراتيجية للنفط والتجارة والنقل والاتصالات، تربط الخليج بالمتوسط وأوروبا.

اظهار أخبار متعلقة


غير أن السؤال الذي يطرح نفسه لا يتعلق بقدرة الخرائط على رسم الممرات الجديدة، بل بقدرة الدول على حمايتها وإدارتها، فقد يصطدم أي ممر إقليمي في نهاية المطاف بحجر عثرة، وهو “السيادة وقدرة الدولة على حماية الفرص وإدارتها وتحويلها إلى مكاسب مستدامة”.

استغلال موقعها الجغرافي الواقع بين أوروبا والخليج

بهذا الشأن، أكد معهد “تشاتام هاوس” البريطاني سعي كل من العراق وسوريا ولبنان إلى استغلال موقعها الجغرافي الواقع بين أوروبا والخليج، لتعزيز ترابطها عبر شبكات من خطوط أنابيب النفط والغاز والطرق البرية والسكك الحديدية والممرات الرقمية.

وفي تحليل أعده الباحث ريناد منصور، أوضح أن هذه الدول كانت تشكل ركائز أساسية في النظام الإقليمي الذي تقوده إيران، قبل أن يتراجع نفوذ طهران وتبدأ حكومات هذه الدول الثلاث بالبحث عن تحقيق درجة أكبر من السيادة.

وذكر “تشاتام هاوس” أن أزمة مضيق هرمز ساهمت في تسريع وتيرة إعادة تشكيل المنطقة بشكل واسع، في ظل تخطيط كل من بغداد ودمشق وبيروت لإنشاء خطوط أنابيب نفط وممرات نقل جديدة، إلا أن إمكاناتها في اغتنام هذه الفرصة تعتمد في نهاية المطاف على تطبيق إصلاحات أوسع.

Image1_1020262134628603534038.jpg

وأشار التقرير إلى أن الحرب على إيران، وما تسببت به من اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، كشفت عن هشاشة طرق التجارة والطاقة القائمة، كما أنها زعزعت توازن القوى القديم في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح المعهد أن الدول الثلاث، العراق وسوريا ولبنان، تحاول تحقيق ذلك في ظل ظروف شديدة الصعوبة، إذ تواجه احتلالات خارجية وعمليات عسكرية، بالإضافة إلى معاناتها من الفساد المنتشر والأنظمة السياسية المفككة التي تتيح للجماعات المسلحة نفوذاً واسعاً.

ولهذا، يرى التقرير أن قدرة الدول الثلاث على اغتنام هذه الفرصة لتعزيز ترابطها وتحقيق سيادة أوسع، لن تعتمد على البنية التحتية التي تشيدها فحسب، وإنما أيضاً على مدى قدرتها على إصلاح مؤسسات الدولة، لتمكينها من إدارة هذه البنية التحتية بفاعلية.

كما لفت إلى تأثر العراق بشكل كبير باضطرابات مضيق هرمز، موضحاً أن سوريا ولبنان أقل تأثراً، نظراً لكونهما لا يعدان من كبار مصدري النفط، فضلاً عن تمتعهما بمنافذ على البحر الأبيض المتوسط، وأن الأزمة دفعت إلى احتمالية إعادة تشكيل أوسع لخطوط التجارة والطاقة في المنطقة، في ظل بحث دول مثل العراق عن بدائل جديدة.

وتابع التقرير قائلاً إن بيروت ودمشق تتمتعان بفرصة لترسيخ مكانة موانئهما وشبكات النقل لديهما كبوابات حيوية تربط بين الخليج والأسواق الأوروبية، وذلك في إطار نظام تجاري إقليمي تتم إعادة تشكيله.

مشروع خط أنابيب العراق – سوريا

ونوه معهد “تشاتام هاوس” إلى أن العراق يعمل حالياً على مسارات متعددة لتنويع طرق تصديره، حيث تحاول بغداد زيادة الصادرات عبر ميناء جيهان التركي المطل على البحر المتوسط، كما تبحث إمكانية إحياء مشروع طالما تعطل لمد خط أنابيب إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر.

وفي الوقت نفسه، يعمل العراق وسوريا على مشروع لخط أنابيب جديد ينقل النفط العراقي غرباً نحو البحر المتوسط، وهو ما يوفر بديلاً آخر لبغداد يقلل من اعتمادها المفرط على تصدير النفط عبر مضيق هرمز.

وأكد تقرير المعهد أن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب تدعم هذه الخطة كجزء من استراتيجية تهدف إلى تقليص النفوذ الإقليمي لإيران من خلال تنويع مسارات التصدير بعيداً عن مضيق هرمز.

تبلغ الطاقة الأولية للشبكة الجديدة المقترحة نحو مليوني برميل يومياً، ومن المفترض أن تسمح للعراق بتحويل جزء كبير من صادراته بعيداً عن مضيق هرمز، وهو ما يحد من ورقة الضغط التي تمتلكها إيران، ورغم أن المشروع سيعمل على تنويع المسارات، فإنه لن يكون بديلاً كاملاً عن مضيق هرمز.

إذ تمر من المضيق معظم صادرات النفط العراقي إلى الأسواق الآسيوية، وخصوصاً الصين والهند، وهي أسواق يسهل الوصول إليها من الخليج بسرعة أكبر مقارنة بالوصول إليها عبر البحر المتوسط.

إلى جانب ذلك، قال التقرير إن لبنان وسوريا يبحثان أيضاً إمكانية إعادة تأهيل خطوط السكك الحديدية التي قد تربط، في نهاية المطاف، الساحل اللبناني عبر الأراضي السورية بكل من العراق وتركيا ومنطقة الخليج.

وفي حال ربط الخط ميناء طرابلس اللبناني بمدينة حمص السورية، فقد تشكل هذه الخطوة بداية محتملة لإعادة سوريا إلى دورها كدولة عبور، مع تحويل طرابلس إلى بوابة محتملة على البحر المتوسط.

خاصةً وأن الترابط الإقليمي يسعى أيضاً إلى أن يشمل المجال الرقمي، حيث تستهدف شبكات جديدة للألياف الضوئية تمر عبر العراق وسوريا، توفير مسارات برية بديلة لدول الخليج لنقل كميات هائلة من البيانات التي تنتقل حالياً عبر كابلات بحرية عرضة للمخاطر.

كما لفت التقرير إلى وجود فجوة كبيرة بين الطموح والواقع، موضحاً أن العراق وسوريا ولبنان يتقدمون في مشاريع البنية التحتية هذه في ظل حرب لا يملكون السيطرة عليها، وفي ظل مواجهتهم لاحتلالات أو تدخلات خارجية.

فإلى جانب الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، واستيلاء تل أبيب على منطقة عازلة في الجنوب السوري، تحولت البنية التحتية للطاقة في أنحاء الشرق الأوسط إلى هدف رئيسي للهجمات.

حيث تم تسجيل أكثر من 100 هجوم استهدفت منشآت الطاقة خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، فيما هاجمت إيران منشآت للطاقة في منطقة الخليج، بينما استهدف الاحتلال الإسرائيلي مستودعات لتخزين الوقود وبنية تحتية للغاز داخل الأراضي الإيرانية.

كما لفت إلى أن إيران تدعم فصائل مسلحة في العراق ولبنان بمقدورها تهديد البنية التحتية الحيوية، مثلما جرى، على سبيل المثال، ضد حقل “خور مور” للغاز العراقي، والإغلاق المؤقت لخط أنابيب النفط السعودي “شرق-غرب”، المصمم للحد من اعتماد الرياض على مضيق هرمز، بينما شن الحوثيون هجمات على ناقلات نفط سعودية وسيطروا على الساحل المطل على مضيق باب المندب.

وأوضح المعهد أن التهديد الذي يواجه البنية التحتية لا يقتصر على الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، مذكراً في ذات الوقت بأن تل أبيب استهدفت مراراً البنية التحتية لقطاع النقل خلال الصراع الحالي، بما في ذلك في لبنان، وهو ما يظهر كيف يمكن للصراع أن يعرقل التشابك المأمول.

واعتبر أن الفساد المستشري يمثل عقبة أخرى، مؤكداً أن العراق ولبنان وسوريا تحتل ذيل قائمة “مؤشر مدركات الفساد” الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.

ورأى التقرير أن ذلك يرتبط أيضاً بحالة التشرذم التي تعاني منها هذه الدول، إذ إن السلطة في كل من العراق وسوريا ولبنان تظل مشتتة بين فصائل سياسية ومؤسسات متنافسة وجهات مسلحة فاعلة، ما يجعل الحكومات عاجزة عن ضمان أمن المشاريع وتمويلها.

هل يضمن الترابط مفهوم السيادة؟

قال تقرير “تشاتهام هاوس” إنه رغم تعزيز الحرب من القيمة الاستراتيجية للموقع الجغرافي لكل من العراق وسوريا ولبنان، إلا أن قدرة الدول الثلاث على استغلال هذه الفرصة ستحدد ما إذا كانت هذه الدول قادرة على صياغة النظام الإقليمي لمرحلة ما بعد الحرب، أم أن هذا النظام ستتم صياغته مجدداً بمعزل عن إرادتها أو دون مشاركتها الفاعلة.

اظهار أخبار متعلقة


وخلص إلى القول إن “الربط لا يعادل السيادة”، مشيراً إلى أن بإمكان خطوط الأنابيب والسكك الحديدية وممرات التجارة الجديدة أن توفر لهذه الدول بدائل عن علاقات التبعية التي ميزت النظام القديم، إلا أنها وحدها لا تكفي لتحقيق السيادة، حيث يتطلب الأمر وجود مؤسسات متمكنة بمقدورها إنجاز هذه المشاريع وحمايتها.

وختم التقرير بالقول: “في حال أراد كل من العراق وسوريا ولبنان استغلال الفرص التي يتيحها النظام الإقليمي المتغير، فإنه يتحتم عليهم القيام بما هو أكثر من مجرد إنشاء طرق جديدة عابرة للحدود”، موضحاً أنه “ينبغي لهم بناء دول قادرة على إدارة هذه الروابط الجديدة، مع ضمان وصول منافعها إلى عموم السكان، لا إلى النخب وحدها”.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *