العلوم والتكنولوجيا

نهاية الحرب ليست نهاية الصراع… بل إعادة توسيع النفوذ بإقليم هشّ ومعسكر

0 0
Read Time:3 Minute, 56 Second

ماذا عن الجبهة اللبنانية؟ إنها المسرح الأخطر بعد إيران. إذا توسّعت الحرب أكثر فلن يكون لبنان مجرّد “جبهة مساندة” بل قد يُصبح أخطر مسرح لاستنزاف مستدام. إسرائيل تبدو مصمّمة على منع ترسيخ بنية إيرانية- “حزبية” متقدّمة في لبنان. وقد كثّفت ضرباتها وأوامر الإخلاء. في المقابل، تشير “رويترز” إلى أن “حزب الله” أعاد التسلّح لأشهر وكان يتوقّع حرباً جديدة. معنى ذلك أن الحرب اللبنانية قد تستمر حتى لو تراجعت الجبهة الإيرانية المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي يجعل لبنان الحلقة الأكثر قابلية للتحوّل نزاعاً طويلاً.

ماذا عن الخليج، وهو العمق الحاسم للحرب؟ الخليج في هذا السيناريو ليس هامشاً، بل ساحة حاسمة. وإذا استمرت الهجمات أو التهديدات على البحرين والإمارات والكويت والممرات البحرية فإن الحسابات العسكرية ستتحوّل فوراً إلى حسابات اقتصادية دولية.

في هذه الحالة تُصبح الحرب على إيران وإسرائيل في جوهرها حرباً على الوقت والطاقة والتجارة العالمية. أما تحوّل الحرب صيغةً شاملة فيحصل إذا اجتمعت ثلاثة عناصر، هي ضربات واسعة على البنية النفطية والمائية في الخليج، واستنزاف كبير ومستمر للعمق الإسرائيلي، وتحوّل الجبهة اللبنانية حرباً مفتوحةً وطويلة. حتى الآن، تشير المعطيات إلى أن المنطقة اقتربت من هذا المنحى لكنها لم تدخله كاملاً بعد، ولا تزال الحرب تعتمد أكثر على الضربات الجوية والصاروخية والردع المتبادل أكثر منها على احتلالات برية إقليمية واسعة.

كيف تتغيّر حدود النفوذ في الشرق الأوسط بعد الحرب؟ تراجع النفوذ الإيراني الصلب يحصل إذا تضرّرت البنية المركزية لإيران. فإذا استمرت الضربات على عمق إيران العسكري والاقتصادي فقد يتراجع نفوذها الصلب، أي النفوذ المبني على الإسناد العسكري المباشر والتمويل والتسليح والربط العملياتي بين الجبهات. لا يعني ذلك اختفاء إيران من الإقليم، بل تحوّلها من قوة توسّع هجومي إلى قوة دفاع إقليمي تحاول حماية ما تبقّى من شبكتها. لكن نفوذ إيران قد يُعاد تشكيله لا إزالته. فحتى في حال تراجع قدرتها المركزية قد تحتفظ إيران بنفوذ غير متماثل عبر الشبكات والردع الصاروخي المتبقي والقدرة على التعطيل أكثر من قدرتها على البناء.

إيران نفوذها قد ينتقل من صيغة “التقدّم” إلى صيغة “المنع والعرقلة”. وهذه نقطة مهمة استخبارياً. ضعفها لا يساوي تلقائياً نهاية تأثيرها. قد توسّع إسرائيل هامشها الردعي لا سيطرتها السياسية. وإذا خرجت من الحرب وقد أضعفت البنية الإيرانية وأجبرت خصومها على التراجع العملياتي فستكسب هامش ردع أوسع في الإقليم. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها ستنجح في بناء نظام سياسي إقليمي موالٍ لها ومستقر حولها. تقول التجربة الإقليمية إن المكاسب العسكرية لا تتحوّل دائماً إلى استقرار سياسي. لهذا قد تنجح إسرائيل في توسيع نفوذها الأمني لا في إنهاء البيئة العدائية المحيطة بها.

قد يفقد لبنان أكثر من نفوذ إيران وإسرائيل معاً. بسيناريو الحرب الطويلة الخاسر الأكبر مؤسساتياً ربما يكون لبنان نفسه. فكلما طال النزاع ازدادت احتمالات تحوّله إلى منطقة تماس دائمة، وتراجعت قدرة الدولة على ضبط قرار الحرب والسلم، وارتفعت الفجوة بين الدولة والفاعلين المسلّحين والاقتصاد المُنهك. هذا لا يغيّر فقط ميزان القوة داخل لبنان بل يغيّر موقعه الإقليمي من دولة أزمة إلى ساحة أزمة دائمة. 

الخليج سيتحوّل من عمق اقتصادي إلى جهة أمنية. دول الخليج إذا استمرت الهجمات على منشآتها أو ممراتها أو بناها الحساسة ستعيد تعريف أولوياتها. بدل أن يكون التركيز الأساسي على التنمية والانفتاح والاستثمار سيصبح أمن الطاقة والدفاع الجوي وحماية المنشآت والمرونة البحرية في الصدارة. يعني ذلك عملياً أن الخليج قد يخرج من الحرب أكثر تسلّحاً وأكثر ارتباطاً بالضمانات الأميركية، وأكثر حذراً من أي انفتاح إقليمي غير مضمون. 

الولايات المتحدة قد تستعيد مركزيتها الأمنية. وإذا تحوّلت الحرب إلى نزاع طويل فإن الحاجة إلى الدفاعات والقواعد والإنذار المبكر وحماية الشحن ستعيد تعزيز المركزية الأمنية أمنياً في الخليج وشرق المتوسط، أي أن الحرب قد تنتهي بتقليص هامش المناورة أمام بعض القوى الإقليمية، وزيادة الطلب على المظلة الأميركية حتى لو كان ذلك مُكلفاً سياسياً لبعض العواصم. 

هل من شرق أوسط جديد؟ نعم، ولكن ليس أكثر استقراراً. النتيجة ليست شرقا أوسط “محسوماً” لمصلحة محور واحد، بل شرق أوسط أكثر تفتتاً وتسليحاً وردعاً متبادلاً. إسرائيل أكثر اندفاعاً عسكرياً. إيران أقل تمدداً ولكن أكثر لجوءا إلى التعطيل. لبنان أضعف وأكثر هشاشة. الخليج أكثر اتجاهاً نحو الأمن وأقل اطمئناناً. الولايات المتحدة أكثر حضوراً أمنياً، حتى لو لم ترد حرباً مفتوحةً بلا نهاية. يعني ذلك أن حدود النفوذ بعد الحرب لن ترسمها الخرائط فقط بل قدرة كل طرف على الصمود والتموضع ومنع الآخر من فرض نظام إقليمي نهائي. 

ما الخلاصة الاستخبارية التقليدية؟ التقدير الأعمق هو الآتي: إذا استمرت الحرب سنوات فإسرائيل والولايات المتحدة ترجحّان الكفة عسكرياً. لكن إيران قد تمنعهما من تحقيق نصر إستراتيجي حاسم.

يتجه السيناريو العسكري الكامل إلى ضرب العمق الإيراني وردٍ إيراني متعدّد الحلقات. أما بعد الحرب فالأرجح ليس نهاية الصراع، بل إعادة توزيع النفوذ ضمن إقليم أكثر هشاشةً وعسكرةً. بعبارة موجزة، الطرف الذي “ينتصر” هو من ينجح في البقاء فاعلاً بعد الحرب لا من يحقّق أكبر عدد من الضربات خلالها.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *