لماذا حل الجنيه المصري في خانة أسوأ العملات أداء أمام الدولار في الحرب على إيران؟
تصدر الجنيه المصري قائمة أسوأ العملات العالمية أداء أمام الدولار منذ بداية حرب الاحتلال وأمريكا، على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، متراجعا بنحو 12.2 بالمئة، وذلك بعد أن حقق مكاسب بنحو 6.2 بالمئة بالنصف الثاني من العام الماضي، وفق بيانات “بلومبيرغ”.
الوكالة الأمريكية، أكدت أن “الحرب دعمت الدولار ليسجل أفضل أداء شهري له منذ تشرين الأول/أكتوبر 2024، مما تسبب بخسائر لعملات عدة من دول أفريقية وآسيوية ولاتينية.
إلا أن الجنيه المصري تفرد في نسبة تراجعه لتسجل ضعف نسب انخفاض أقرب العملات المتأثرة، مثل جنوب أفريقيا، وناميبيا، وليسوتو، واسواتيني، التي سجلت جميعها نسبة تراجع بنحو 6.8 بالمئة.
خسائر متلاحقة
ومع اليوم الـ36 لـ”حرب إيران”، يواصل الجنيه خسائره، بينما سجل أدنى مستوى بتاريخه مُقابل الدولار، وخسر نحو 14 بالمئة بالشهر الأول من الحرب، فيما تشير التوقعات لمزيد من الهبوط أمام العملات الأجنبية حال استمرار الحرب، ومواصلة الضغوط على احتياطي البلاد من النقد الأجنبي وزيادة الحاجة إلى التمويل، لسد العجز في الموازنة وتوفير السلع الأساسية وخاصة الطاقة.
وفتحت زيادة الطلب على العملة الأمريكية بابا خلفيا لسوق الصرف الموازية “السوداء” التي اختفت منذ تعويم الجنيه الأخير بالربع الأول من 2024، خاصة مع خروج بين 8 و9 مليارات دولار من أدوات الدين المحلية، وارتفاع طلبات تمويل الاستيراد، وتضاعف فاتورة الغاز مرتين ونصف من 560 مليون دولار شهريا إلى 1.1 مليار دولار، وفق تأكيد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي.
اظهار أخبار متعلقة
وخلال آذار/مارس الماضي، ارتفع الدولار 13.8 بالمئة أمام الجنيه ليختتم تعاملات الشهر عند 54.52 جنيه للشراء و54.62 جنيه للبيع ارتفاعا من نحو 48 جنيها قبيل اندلاع الحرب؛ ليسجل سعر الصرف الأحد، 54.30 جنيه للشراء و54.40 جنيه للبيع بالبنك المركزي، و54.45 جنيه للشراء و54.55 جنيه للبيع ببعض البنوك.
والأسبوع الماضي، ارتفع الدولار في “العقود الآجلة” للجنيه المصري أجل عام لمستوى يتراوح بين 63.85 جنيه للشراء و64.4 جنيه للبيع، بحسب “العربية Business”.
وسجلت أسعار الذهب بالسوق المحلية ارتفاعات كبيرة، حيث وصل سعر الذهب “عيار 21” إلى 7.150 جنيه الأحد، من حوالي 6780 جنيها مطلع شباط/فبراير، في حين أكد عضو شعبة الذهب والمجوهرات سعيد إمبابي، لصحيفة “الأهرام” الحكومية، أن سعر الصرف العامل الأكثر تأثيرا في حركة الذهب”.
تحذير موديز
وفي سياق احتمالات تأزم وضع الجنيه بصورة أكبر مع امتداد “حرب إيران”، أكدت وكالة “موديز ريتنغز” خروج تدفقات استثمارية أجنبية (أموال ساخنة) من أدوات الدين الحكومي بنحو 8 مليارات دولار منذ “حرب إيران”.
في حين قدرتها “فيتش سوليوشنز” الشهر الماضي بين 8 و9 مليارات دولار منذ منتصف شباط/فبراير الماضي، بينما وصل حضور الأجانب في أذون وسندات الخزانة حوالي 32 مليار دولار قبيل الحرب، ما يشير لبقاء حوالي 20 مليار دولار قد تتخارج حال استمرار “حرب إيران”.
وأوضحت “موديز” أن نقاط الضعف الهيكلية لا تزال تضغط على الجدارة الائتمانية لمصر، في ظل ارتفاع الدين العام وضعف القدرة على تحمل تكاليفه، واحتياجات إعادة التمويل الكبيرة محليا وخارجيا.
وأشارت إلى أن مدفوعات الفائدة تستحوذ على ما يقرب من ثلثي الإيرادات الحكومية، فيما يتجاوز الدين الحكومي 82 بالمئة من الناتج المحلي، وهو ما يحد من قدرة المالية العامة على امتصاص الصدمات.
وعلى الصعيد الخارجي، لفتت إلى أن مصر تواجه مخاطر سيولة، مع استحقاقات ديون خارجية بنحو 16 مليار دولار في العام المالي 2027، إلى جانب حيازات غير المقيمين من أدوات الدين المحلي التي تتجاوز 30 مليار دولار، مقارنة بأصول أجنبية صافية لدى البنك المركزي تبلغ نحو 31 مليار دولار.
وفي رؤيتها المستقبلية مع استمرار الحرب حذرت “موديز” من أن ارتفاع أسعار النفط العالمية يشكل أحد أبرز المخاطر على الاقتصاد المصري، نظرا لزيادة كلفة واردات الطاقة، وارتفاع التضخم، وتشديد الأوضاع التمويلية العالمية، ما قد يؤدي إلى خروج تدفقات رأسمالية.
ويأتي تكرار تخارج الأموال الساخنة مجددا من أدوات الدين المحلية برغم أن الديون المصرية كانت دائما الخيار المفضل للمستثمرين الأجانب في السنوات الأخيرة نظرا لارتفاع أسعار الفائدة المعدَّلة وفقا لمستوى التضخم، والتي تُعد من بين المعدلات الأعلى عالميا، وفق تقرير وكالة “بلومبيرغ” 12آذار/مارس الماضي.
وفي ذات السياق، عجز البنك المركزي المصري، عن بيع كامل مستهدف وزارة المالية، من أذون الخزانة لآجال 3 و9 أشهر، محققا بيع بقيمة 38.4 مليار جنيه فقط بأقل من المستهدف البالغ 70 مليار جنيه، في ظل مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى.
في آذار/مارس الماضي، رفض البنك بيع سندات خزانة لـ3 سنوات بقيمة 25 مليار جنيه للمرة الثانية بسبب ذات المطالبة، وذلك برغم نجاحه ببيع أذون خزانة بزيادات تخطت المستهدف، بأكثر من 100 مليار جنيه خلال كانون الأول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير الماضيين، أي قبل الحرب.
لهذا سيظل الأسوأ
وفي إجابته على السؤال: لماذا سجل الجنيه المصري أسوأ العملات العالمية أداء أمام الدولار خلال “حرب إيران”؟، قال الأكاديمي والخبير الاقتصادي المصري الدكتور حسني كحله: “لأن الاقتصاد الحقيقي الإنتاجي تم تدميره؛ وأصبح اقتصادا ريعيا يعتمد على عوامل خارجية”.
من جانبه قال الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى يوسف، لـ”عربي21″: “بالطبع سيكون الجنيه من أسوأ العملات على الإطلاق أداء خاصة وأنه لا توجد أية آليات تمكن الاقتصاد المحلي من الوقوف على قدميه في مواجهة الصدمات”.
الباحث في الاقتصاد السياسي والتنمية والعلاقات الدولية، أوضح أنه “بالاقتصاد القائم على الاستثمار الحقيقي والإنتاج والتصدير يكون لديك فوائض مالية من جراء أنك تبيع أكثر مما تشتري”.
واستدرك: “لكن عندنا اقتصاد لديه عجز مالي كبير وبه مشكلات هيكلية منها الاعتماد على الدعم السياسي وأنه يركز على أجندة فرضها اليمين سواء أمريكا وإسرائيل، إلى جانب دعم الحكومات الخليجية التي ينفذ أجندتها نظام وظيفي أُتي به عام 2013، لضرب الربيع العربي”.
وأكد أن “المعونات والأموال التي حصل عليها بعد 3 تموز/يوليو 2013، كانت تكفي لجعل مصر واحدة من النمور الآسيوية؛ ولكن المشكلة في كلفة فساد عالية في ظل نظام وظيفي كهذا، وفي ظل غياب التنمية الحقيقية”.
ولفت إلى أنه “بعدما اكتشف الخليج أنه يضع أموالا كثيرة دون وجود عوائد والاقتصاد يعاني نتيجة كلفة الفساد، توجه النظام لبيع الأصول كحل وحيد له، ما جعل الاقتصاد والعملة المحلية يتأثران بأي أزمات خارجية كحرب روسيا وأوكرانيا و(إبادة غزة) وحرب إيران”.
روشتة مواجهة المخاطر
ومن خلال معطيات تقرير “موديز” عن حجم مخاطر السيولة واستحقاقات الديون، وهروب الأموال الساخنة، قدم يوسف قراءة لمستقبل الجنيه المصري حال استمرار حرب إيران، مشيرا إلى أن أزمة “هروب الأموال الساخنة مثلا تنعكس على ندرة العملات الصعبة وترفع الفوائد، فيحدث ارتفاع شديد بقيمة الدولار مقابل الجنيه”.
“بينما دول الخليج التي تتعرض لقصف إيران، وأوكرانيا لم تنخفض عملاتها، كما حدث للجنيه”، يؤكد الخبير المصري، ويوضح أن “ذلك لأنه لا توجد أساسيات الاقتصاد كأن يكون لديك صادرات أكثر من الواردات، واستثمارات خارجية بمشروعات قائمة على خطط تنموية”.
ويرى أن لكل تلك السياسات تبعات على ملايين المصريين، داعيا الحكومة عند “رفع الحد الأدنى للأجور الاسترشاد بالتجربة التركية والحد الأدنى بها حوالي 655 دولارا بالشهر، وأن يتجاوز في مصر الحد الأدنى للفقر وليس أقل من 500 دولارا بمعدل 25 ألف جنيه شهريا كرقم يجعل المصري يعيش الحد الأدنى من الكرامة”.
وختم بالقول: “لكن هذا لا يحدث ويوازيه الإنفاق المهول على مشروعات غير مجدية، واللجوء إلى الاقتراض الخارجي وبيع الأصول واستثمارات الأجانب غير المقيمين في أذون الخزانة لتمويل عجز الموازنة ما يقابله غياب تشجيع الاستثمار المحلي والادخار الوطني، وعدم وجود خطط للتنمية، ما يتبعه فقدان تام للثقة”.
مخاوف يترقبها المصريون
ومع إعلان الحكومة المصرية الأسبوع الماضي رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه من تموز/يوليو المقبل، تثار مخاوف البعض من أن يسبق هذا القرار تحرير جديد لسعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية، خاصة وأن قرار رفع الأجور قبل الأخير تبعه قرار مماثل بتعويم الجنيه في آذار/مارس 2024.
وتزامن رفع الحد الأدنى للأجور في مصر إلى 6000 جنيه شهريا، مع تحرير سعر الصرف حينها، ما دفع بعملتها المحلية لخسارة 40 بالمئة من قيمتها وانخفاض سعر صرف الجنيه مقابل الدولار من نحو 30 جنيها إلى حوالي 50 جنيها.
وتتزايد مخاوف المصريين من فرض زيادات جديدة بالوقود لتكون الرابعة خلال نحو 13 شهرا خاصة مع الزيادة الأخيرة 10 آذار/مارس الماضي، والتي شملت رفع سعر “بنزين 95″ إلى 24 جنيها للتر مقابل 21 جنيها سابقا، و”بنزين 92″ إلى 22.25 جنيه، و”بنزين 80” إلى 20.75 جنيه للتر، والسولار إلى 20.50 جنيه للتر، وسعر غاز السيارات إلى 13 جنيها للمتر المكعب.
وعاشت مصر من قبل أزمات مماثلة أثرت على العملة المحلية وفاقمت أسعار صرفها مقابل العملات الأجنبية مثل الحرب “الروسية-الأوكرانية”، المستمرة منذ 24 شباط/فبراير 2022، والحرب الأهلية في السودان جارة مصر الجنوبية منذ 15 نيسان/أبريل 2023، وحرب الإبادة الإسرائيلية الدموية على قطاع غزة بين (2023 و2025) شرق البلاد.
مع تلك الأزمات جاء تصرف الحكومة المصرية بالتوجه نحو بيع الأصول العامة والشركات الحكومية والتي كان أهمها صفقة “رأس الحكمة” مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار في 23 شباط/فبراير 2024، والاقتراض الخارجي من صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار، ومن الاتحاد الأوروبي بنحو 7.4 مليار يورو على دفعات حتى العام المقبل، إلى جانب تقليل دعم الوقود والكهرباء والسلع الأساسية ورفع أسعار السلع والخدمات.
ويحمَّل مراقبون حكومة رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، مسؤولية تلك الأوضاع، مشيرين إلى أنه “رغم تعرض البلد العربي الأفريقي لخدعة المال الساخن سريع الهروب مع أية هزات وأزمات ومنها وهروب نحو 22 مليار دولار عام 2022، عادت القاهرة لاتخاذ ذات السياسات بالاعتماد على التمويل غير الآمن”.
اظهار أخبار متعلقة
ويرون أن “تكرار ذات الأخطاء رغم الاعتراف الحكومي بها، زاد من وقع أزمة (حرب إيران)، ودفع لرفع أسعار الوقود بين 14 و30 بالمئة الشهر الماضي، واتخاذ قرارات تقشف واسعة لخفض تكاليف الطاقة بينها غلق المحال التجارية مبكرا، ورفع فاتورة استهلاك الكهرباء لبعض الشرائح الشهر الجاري”، معربين عن مخاوفهم من إجراءات أشد قسوة.
ويشير محللون، إلى أن “وضع الجنيه إلى تأزم أكبر مع تراجع ثقة المصريين بالخارج في عملة بلادهم، والتي ظلت قائمة لنحو عامين (2024-2025) ودفعت بتحويلاتهم المالية إلى أرقام قياسية بلغت 41.5 مليار دولار بالعام الماضي”.
وهو رقم وفق قراءتهم، إلى “تراجع أكبر بسبب صعوبة أحوال العمالة في الخليج العربي تأثرا بالحرب، وما تزامن معها من تراجع بدخل مصر من السياحة التي سجلت 19 مليون زائر ونحو 13.5 مليار دولار إيرادات بالأشهر الـ9 الأولى من 2025، بجانب انخفاض إيرادات قناة السويس، كتبعات غير مباشرة على مصر لـ(حرب إيران)”.
