رغم شلل الملاحة في الخليج.. شركات الشحن تعتمد ممرات برية لتأمين الغذاء والدواء
تواصل شركة إيه. بي. مولر – ميرسك للشحن تأمين تدفق السلع الأساسية إلى دول الخليج، رغم الاضطرابات غير المسبوقة في حركة الشحن البحري عقب اندلاع الحرب في المنطقة، والتي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز وشلل شبه كامل في حركة النقل البحري، ما أثار مخاوف واسعة بشأن استقرار سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في قطاعي الغذاء والدواء.
وقال المدير الإقليمي للشركة في الشرق الأوسط، تشارلز فان دير ستينه، في تصريحات لوكالة “رويترز”، الخميس٬ إن “ميرسك تحافظ على خطوط إمداد الغذاء والدواء عبر طرق نقل بري بديلة، ولا تزال تمتلك بعض قدرات الشحن المتاحة رغم الحرب”، في إشارة إلى قدرة الشركة على التكيف مع الأزمة عبر إعادة توجيه مساراتها اللوجستية.
اندلعت الأزمة الحالية عقب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في أواخر شباط/فبراير الماضي، وما تبعها من ردود إيرانية واسعة النطاق، شملت استهداف مواقع في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز العالمية.
وأدى هذا التصعيد إلى شبه توقف حركة الشحن التجاري من موانئ الخليج، ما انعكس مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية، وأعاد إلى الواجهة هشاشة النظام اللوجستي الدولي أمام الصراعات الجيوسياسية، خاصة في منطقة تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الأساسية.
“الجسر البري”.. البديل الاستراتيجي
في مواجهة هذه التحديات، اعتمدت ميرسك على ما يُعرف بنظام “الجسر البري”، وهو نموذج لوجستي يقوم على نقل البضائع عبر موانئ بديلة، ثم شحنها برًا إلى وجهاتها النهائية داخل دول الخليج.
ويشمل هذا النظام موانئ رئيسية مثل جدة في السعودية، وصلالة وصحار في سلطنة عمان، وخورفكان في الإمارات، حيث يتم تفريغ الحاويات وإعادة توزيعها عبر شبكات النقل البري.
وأوضح فان دير ستينه أن الشركة تعمل على توسيع هذا النظام بالتنسيق مع حكومات الخليج، التي قامت بتبسيط الإجراءات الجمركية وتسريع عمليات التخليص، ما سمح بتقليل زمن الشحن رغم تعقيد الظروف الأمنية.
وقال: “نعطي الأولوية للسلع الحيوية، وعلى رأسها الغذاء والدواء، بما يشمل الشحنات المبردة والمجمدة، ومع ذلك لا تزال لدينا طاقة استيعابية فائضة في هذه المسارات البديلة”، ما يعكس قدرة هذه الشبكة على استيعاب الضغط الناتج عن توقف النقل البحري.
اظهار أخبار متعلقة
أظهرت البيانات أن حجم الشحنات الواصلة إلى ميناء جدة ارتفع بنحو 4% منذ اندلاع الحرب، في مؤشر على التحول نحو الموانئ البديلة.
كما أشار المسؤول إلى أن ميرسك كانت تنقل قبل الأزمة نحو 35 ألف حاوية أسبوعيًا من وإلى الخليج، مؤكدًا أن شبكة الجسر البري تمكنت من استيعاب هذه الكميات، في واحدة من أكبر عمليات إعادة توجيه سلاسل الإمداد في المنطقة خلال فترة قصيرة.
“المسار الأخضر”.. تسريع عبور السلع
عملت ميرسك، منذ الأيام الأولى للحرب، بالتنسيق مع حكومات دول مجلس التعاون الخليجي، على إنشاء آليات سريعة لعبور البضائع، شملت تطبيق ما يُعرف بـ”المسار الأخضر”، الذي يتيح تسريع الإجراءات الجمركية ونقل السلع الأساسية بأولوية قصوى.
وشملت هذه الترتيبات تسهيل مرور الشحنات عبر الحدود، وتقليل زمن الانتظار، بما يضمن استمرار تدفق المواد الحيوية للأسواق المحلية.
في المقابل، حذر رئيس مجلس إدارة ميرسك من أن اضطراب الإمدادات الغذائية يمثل “حاجة ملحة” للمنطقة، في ظل اعتماد دول الخليج على الاستيراد لتلبية الجزء الأكبر من احتياجاتها الغذائية.
ووفق بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي، تستورد دول مجلس التعاون الخليجي ما يصل إلى 85% من احتياجاتها الغذائية، ما يجعلها عرضة بشكل كبير لأي اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا في أوقات الأزمات.
رغم نجاح الممرات البديلة في تخفيف الأزمة، فإنها لا تخلو من التحديات، إذ أشار فان دير ستينه إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والتأمين وتكاليف النقل أدى إلى زيادة تكاليف الخدمات اللوجستية بشكل عام.
كما لفت إلى أن الوضع الأمني المتقلب قد يفرض تغييرات مفاجئة على المسارات، ما يتطلب مرونة مستمرة في إدارة العمليات.
شركات الشحن العالمية تحت الضغط
في السياق ذاته، كشف الرئيس التنفيذي لشركة هاباج لويد للشحن، رولف هابن يانسن، الخميس، أن الأزمة في الشرق الأوسط تكلف الشركة ما بين 40 و50 مليون دولار أسبوعيًا، واصفًا هذه التكاليف بأنها “لا يمكن تحملها لفترة طويلة”.
وأوضح أن الشركة تواجه “تحديًا كبيرًا” مع استمرار احتجاز ست سفن تابعة لها في الخليج، وعلى متنها نحو 150 فردًا من الطواقم، بسبب إغلاق مضيق هرمز، مؤكدًا أن الجهود مستمرة لتزويدهم بالإمدادات الأساسية والعمل على إعادتهم.
ورغم هذه التحديات، أبقت الشركة على توقعاتها المالية لعام 2026، مع السعي لموازنة التكاليف الإضافية، لكنها حذرت من تداعيات طويلة الأجل إذا استمر الصراع وتراجع الطلب العالمي.
اظهار أخبار متعلقة
بدائل لوجستية.. دور متصاعد للسكك الحديدية
في محاولة لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، أعلنت الخطوط الحديدية السعودية (سار) الخميس٬ إطلاق ممر لوجستي دولي عبر قطارات البضائع، يربط موانئ المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة، بما يتيح الوصول إلى الأردن ودول شمال المملكة.
ويتيح هذا المسار تقليص زمن الرحلة التي تتجاوز 1700 كيلومتر إلى النصف مقارنة بالشحن البري التقليدي، مع طاقة استيعابية تتجاوز 400 حاوية للقطار الواحد، ما يعزز كفاءة النقل وسرعة التسليم.
وأكدت “سار” أن المشروع يسهم في تخفيف الضغط على الطرق، وتحسين السلامة، وخفض الانبعاثات الكربونية، ضمن جهود المملكة لتطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية في إطار رؤية 2030.
يُذكر أن الخطوط الحديدية السعودية “سار” تدير شبكة متكاملة من الخطوط الحديدية تمتد لأكثر من (5,500) كيلومتر، وتقدّم من خلالها خدمات نقل الركاب وشحن البضائع والمعادن، حيث نقلت خلال عام 2025 أكثر من (14) مليون راكب، وما يزيد على (30) مليون طن من المعادن والبضائع، بما يعزز كفاءة النقل ويربط الموانئ والمراكز اللوجستية ومناطق الإنتاج في مختلف مناطق المملكة.
تعكس هذه التطورات تحولا عميقا في طبيعة سلاسل الإمداد العالمية، حيث تدفع الأزمات الجيوسياسية الشركات الكبرى إلى إعادة تصميم شبكاتها اللوجستية بشكل سريع ومرن، لضمان استمرار تدفق السلع الحيوية.
وفي ظل استمرار التوتر في الخليج، تبقى قدرة هذه الممرات البديلة على الصمود عاملًا حاسمًا في استقرار الأسواق، خاصة مع تصاعد المخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، في واحدة من أكثر الفترات حساسية للتجارة العالمية في السنوات الأخيرة.
