العلوم والتكنولوجيا

حروب الآخرين وحدود المكسب الصيني

0 0
Read Time:3 Minute, 9 Second

في خضم الحرب الأميركية- الإسرائيلية مع إيران، لا تبدو الصورة بالبساطة التي قد يوحيها بعض القراءات، إذ لا يمكن قراءة المشهد من زاوية الصراع المباشر فحسب، بل من زاويةٍ أوسع تتعلق بإعادة تشكيل التوازنات الدولية. فبينما تبدو الصين مستفيدةً من انشغال واشنطن في الشرق الأوسط، تبرز في المقابل فرضية معاكسة ترى أن ما يجري قد يكون جزءاً من استراتيجيةٍ أميركية أعمق تستهدف، بشكلٍ غير مباشر، إضعاف بكين.

من هذا المنظور، يمكن فهم ما يشاع عن عقيدة ترامب القائمة على الضغط على خصومٍ مكشوفين جغرافياً أو اقتصادياً، بهدف إضعاف منافسين استراتيجيين من دون مواجهةٍ مباشرة معهم. هذه المقاربة ظهرت بوضوحٍ في التعامل مع فنزويلا، حيث أدى الضغط الأميركي إلى تقليص نفوذ دولةٍ كانت تعد من أقرب حلفاء الصين وروسيا في نصف الكرة الغربي، لم تكن فنزويلا هدفاً في ذاتها، بل جزء من شبكة نفوذٍ أوسع.

اليوم، يطرح تساؤل مشابه حول إيران. فهل تمثل المواجهة معها امتداداً لهذه المقاربة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن الهدف لا يقتصر على طهران، بل يتجاوزها ليطاول أحد أهم ركائز القوة الصينية، أمن الطاقة.

إيران جزء من المعادلة

تعتمد الصين بشكلٍ كبير على واردات النفط من الشرق الأوسط، وإيران تمثل، رغم العقوبات، جزءاً من هذه المعادلة. أي تغيير جذري في موقع إيران، سواء عبر إضعافها أو إعادة إدماجها بشروطٍ مختلفة، قد يعيد تشكيل خريطة الطاقة بطريقةٍ تمنح الولايات المتحدة نفوذاً أكبر على تدفقات النفط العالمية. وفي حال تمكنت واشنطن من تعزيز سيطرتها، المباشرة أو غير المباشرة، على مصادر الطاقة أو طرق إمدادها، فإن ذلك يضع بكين أمام تحدٍ استراتيجي طويل الأمد. لكن هذه ليست سوى نصف الصورة.

في المقابل، يتيح انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط للصين مساحة حركةٍ أوسع، خصوصاً في محيطها الآسيوي. فواشنطن التي أعلنت مراراً أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ تمثل أولويةً قصوى، تجد نفسها مضطرةً لإعادة توزيع مواردها العسكرية والسياسية. هذا التحول، حتى وإن كان موقتاً، يثير تساؤلاتٍ لدى حلفاء الولايات المتحدة في آسيا حول مدى استدامة التزاماتها.

هنا، تظهر الصين بأسلوبها التقليدي، لا تسعى إلى ملء الفراغ بشكلٍ صدامي، بل عبر أدواتٍ أكثر هدوءاً. توسيع الشراكات الاقتصادية، تعميق الاعتماد المتبادل، وتقديم نفسها كشريكٍ يمكن التنبؤ بسلوكه. هذه المقاربة لا تثير المخاوف بالقدر نفسه الذي تثيره التحركات العسكرية، لكنها على المدى الطويل قد تكون أكثر تأثيراً.

اقتصادياً، تحمل الأزمة أيضاً فرصاً وتحدياتٍ في آن واحد. فارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الاقتصادات الآسيوية، بما فيها الصين، لكنه في الوقت نفسه يسرع التحولات في سياسات الطاقة. الصين، التي استثمرت خلال السنوات الماضية في تنويع مصادرها وتعزيز احتياطاتها، قد تكون أكثر قدرةً على امتصاص الصدمات مقارنةً بغيرها.
توازن دقيق 

ومع ذلك، فإن الفوضى الواسعة في الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية بشكلٍ مطلق. فاضطراب طرق التجارة أو حدوث صدماتٍ حادة في الأسواق العالمية، قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني الذي يعتمد على الاستقرار النسبي في النظام الدولي. لذلك، تحاول بكين الحفاظ على توازنٍ دقيق، الاستفادة من انشغال واشنطن، من دون الانجرار إلى تداعيات عدم الاستقرار.

هنا تتقاطع الفرضيتان المتناقضتان، فمن جهة، هناك مكاسب صينية واضحة ناتجة من تراجع التركيز الأميركي على آسيا وفتح المجال أمام تحركاتٍ تدريجية لتعزيز النفوذ. ومن جهةٍ أخرى، هناك مخاطر استراتيجية مرتبطة بإعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية بطريقةٍ قد تضيّق هامش الحركة أمام بكين.

النتيجة النهائية ستتوقف إلى حدٍّ كبير على كيفية انتهاء المواجهة مع إيران. فإذا انتهت بتسويةٍ تبقي على قدرٍ من الاستقرار وتحدّ من النفوذ الأميركي المباشر على موارد الطاقة، فإن الصين قد تخرج بمكاسب صافية أو شبه صافية. أما إذا أدت إلى إعادة رسمٍ عميقة لموازين الطاقة لمصلحة واشنطن، فقد تجد بكين نفسها أمام بيئةٍ أكثر تعقيداً.

يبقى القول، أن الصين لا تبدو رابحاً مطلقاً ولا خاسراً واضحاً. نحن أمام مزيجٍ من المكاسب والخسائر، يتشكل وفق تطورات ميدانٍ بعيد جغرافياً، لكنه شديد التأثير استراتيجياً. وبينما تنشغل القوى الكبرى بإدارة الصراع، تواصل بكين قراءة المشهد بهدوء، مدركةً أن الحروب لا تقاس بنتائجها المباشرة فحسب، بل بما تتركه من تحولاتٍ في توازنات القوة.

*باحث ومستشار سياسي 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *