العلوم والتكنولوجيا

من طلاء الفلين إلى التزييف: رحلة “الوجه الأسود” من المسرح إلى عصر ترامب

0 0
Read Time:2 Minute, 51 Second

لطالما كانت ظاهرة “الوجه الأسود” (Blackface) أداة لترسيخ العنصرية في الوجدان الأميركي. لكن الأداة اليوم لم تعد مجرد طلاء أسود يدهن، بل أصبحت شيفرات برمجية معقدة.

 

يشير تقرير حديث لصحيفة “ذا غاردين” إلى أن هذه الظاهرة تمر بمرحلة تحول مرعبة تحت إشراف الذكاء الاصطناعي، وفي ظل مناخ سياسي مشحون، حيث أصبحت “الدولة تزيّف الواقع” لخدمة أجنداتها السياسية والاقتصادية. وهنا نستذكر ما حدث قبل فترة عند انتشار صورةٌ تُصوّر عائلة أوباما على هيئة قرود عبر حساب الرئيس الأميركي ترامب نفسه على منصة “تروث سوشيال”.

 

المسرح كأداة للعنصرية


في القرن التاسع عشر، كانت الأداة بدائية ومادية، حيث استعمل الممثلون البيض فليناً محروقاً لتسويد وجوههم، راسمين شفاهًا بيضاء ضخمة لتقديم شخصيات كاريكاتورية مثل “جيم كرو”. ووفقاً لـ “ذا غاردين”، لم يكن الهدف فنياً بل كان سياسياً واقتصادياً بالدرجة الأولى، لترسيخ صور نمطية مهدت الطريق لاحقاً لقوانين الفصل العنصري.

تطورت الأداة لتصبح اليوم “الوجه الأسود الرقمي”، حيث تصبح الهوية السوداء مجرد “قناع رقمي” يرتديه الآخرون دون تحمل عبء التمييز الذي يواجهه السود في الواقع.

 

 

تصميم الذكاء الاصطناعي.

تصميم الذكاء الاصطناعي.

 

 

الذكاء الاصطناعي: سلاح البروباغندا

 

تصل ذروة التطور عند الحديث عن “التزييف العميق” (Deepfakes)، حيث لم تعد الأداة قناعاً يرتديه شخص، بل أصبحت فيديو يولده الذكاء الاصطناعي من العدم لاستهداف فئة وتشويه الرموز التاريخية مثل حادثة التزييف التي استهدفت مارتن لوثر كينغ جونيور العام الماضي.

 

في هذا السياق، يرى أمين أبو يحيى، المتخصص في الذكاء الاصطناعي، من واشنطن، أن المعركة ضد هذا المحتوى معقدة للغاية. ويقول أبو يحيى: “الشركات التقنية الكبرى تخوض هذه المعركة يومياً وتبني جدراناً، فيتسلل المحتوى من النوافذ. الفلاتر الذكية تتطور، لكن منشئي المحتوى يتطورون أسرع بسبب الأدوات المتاحة حالياً”.

يضيف أبو يحيى موضحاً المعضلة الأخلاقية في رصد هذا المحتوى: “الحقيقة المرة أن لا خوارزمية في العالم تستطيع وحدها أن تفرق بين قصيدة نقدية جريئة ومحتوى يحرض على الكراهية، لأن هذا التمييز في جوهره إنساني، أخلاقي، وسياقي”.

 

سباق التسلح الرقمي 

 

يربط تقرير “ذا غاردين” بين هذه التقنيات والمناخ السياسي الحالي، مشيراً إلى استخدام صور “معدلة” لناشطين سود لخدمة أجندات السلطة. وترتفع التحذيرات من استغلال الأنظمة لهذا العجز التقني لتحويله إلى سلاح في الدعاية السياسية.

وحول كيفية مواجهة هذا التدفق من التزييف قبل أن يضلل الرأي العام، يؤكد أبو يحيى أن “السباق بين صانع التزييف وكاشفه هو سباق لا يتوقف، وفي كل جولة يبدو المزيف متقدماً بخطوة”. ورغم وجود أدوات مثل (Deepware) و(Microsoft Video Authenticator)، فإن المشكلة تكمن في أنها تعمل بعد نشر المحتوى.

ويرى أن “المطلوب اليوم هو دمج هذه الأدوات مباشرة في قلب منصات التواصل الاجتماعي كـ TikTok وYouTube وX، لتكون هناك إمكانية لفحص كل مقطع تلقائياً قبل أن يصل إلى الجمهور”.

 

يختم أبو يحيى بقوله إن “غرف الأخبار اليوم تحتاج إلى صحفيين مدربين على التحقق الرقمي السريع في دقائق لا ساعات، والمجتمع يحتاج إلى مواطن رقمي لا يصدق كلّ ما يراه بل يسأل: من نشر هذا؟ ولماذا؟ فالخطر الأكبر ليس التزييف نفسه، بل في السرعة التي يصدقه بها الناس قبل أن تصل الحقيقة”.

 

لقد انتقل “الوجه الأسود” من خشبة المسرح إلى عمق المعالجات الرقمية، تماماً كما تحوّلت كل أوجه العنصرية والطائفية والمناطقية إلى قوالب تقنية حديثة. والرهان الحقيقي اليوم يكمن في ألّا نسمح لسرعة انتشار هذه التقنيات بأن تسبق قدرتنا أقلّه على التفكير النقديّ، إذ تتجلى الخطورة القصوى في استغلال التقنيات الحديثة من قبل القوى على أشكالها، سواء أكانت دولاً، أم أنظمة، أم أحزاباً، أم تيارات سياسية، وتجنيده كسلاح ممنهج لثني الواقع وإعادة صياغة الحقائق كما يناسبها، فالمسألة لم تعد مجرد تضليل، بل هي عملية هندسة للوعي الجمعي وتشكيله وفق مقتضيات أجنداتها.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *