إسرائيل لا تعترف باتفاق جيد مع إيران… فأيّ رسائل تحملها مقاتلات “إف-22″؟
بصرف النظر عما إذا كانت المفاوضات الأميركية – الإيرانية ستؤدي إلى اتفاق أم لا، فإن سيناريوات الخيار العسكري لا تزال مطروحة بقوة، مع اختلاف أغراضها، من إرغام طهران على تقديم تنازلات جوهرية في برنامجيها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي، إلى الحد الأقصى المتمثل بإسقاط النظام.
عند الحديث عن الخيارات العسكرية، بدأت إسرائيل تتقدم بقوة، خصوصاً مع إرسال أسراب من مقاتلات “إف-22” الأميركية متعددة المهام إلى قواعد إسرائيلية في الأيام الأخيرة، بالتزامن مع رواية نشرتها مجلة “بوليتيكو” الأميركية أمس، أفادت بأن مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفضلون أن تكون إسرائيل هي البادئة بالحرب، مما يستجرّ رداً إيرانياً يشكّل مبرراً للولايات المتحدة لدخول الحرب دفاعاً عن حليفها الاستراتيجي في الشرق الأوسط. وفي رأي هؤلاء أن الرأي العام الأميركي المتردّد إزاء شروع أميركا بحرب ضد إيران سيؤيّد على الأرجح نجدة إسرائيل.
تتطابق هذه الفرضية إلى حد ما مع إثارة ترامب خلال خطاب “حالة الاتحاد” الثلاثاء مسألة البرنامج الصاروخي الإيراني، وكذلك فعل من بعده وزير الخارجية ماركو روبيو الذي قال إن هذا البرنامج “يطرح مشكلة كبيرة”. وإسرائيل من جهتها ترى أن الصواريخ الإيرانية تشكل “خطراً وجودياً” عليها مماثلاً لذلك الذي يشكله البرنامج النووي.
كما أن تل أبيب، في الأصل، لا ترى أنه يمكن التوصل إلى اتفاق جيد مع طهران، وتفضّل إسقاط النظام. وفي حرب الـ12 يوماً التي شنتها إسرائيل في حزيران/يونيو الماضي، دأب رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو على دعوة الإيرانيين إلى التحرك من الداخل.
لذا، يسيطر نوع من القلق داخل إسرائيل إزاء احتمال أن يكون ترامب في طريقه فعلاً إلى إبرام اتفاق نووي جديد، يبقي للإيرانيين هامشاً لتخصيب رمزي لليورانيوم. ونتنياهو يطالب بتفكيك البرنامج الإيراني من أساسه، وتدمير أجهزة الطرد المركزي، ويعارض أي نوع من أنواع التخصيب داخل إيران. وعليه، فإن أي اتفاق أميركي – إيراني، مهما كان مشدداً وخاضعاً لرقابة محكمة أو مستداماً، سيبقى من وجهة النظر الإسرائيلية اتفاقاً غير جيد. وكذلك الحال مع البرنامج الصاروخي.

بذلك، أضحت إسرائيل طرفاً في المفاوضات بحكم الواقع. وهذه كانت الغاية من زيارة نتنياهو للبيت الأبيض قبل أسبوعين، لأن قلقاً فعلياً يساور المسؤولين الإسرائيليين من أن يتركهم ترامب وحدهم في المواجهة، إذا أصغى إلى مساعديه، وبينهم جنرالات، ممن يحذرون من الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، ويفضلون التوصل إلى صفقة نووية مع إيران، مع قيود مشددة تمنعها من الحصول على القنبلة.
أما معضلة إسرائيل، فهي من نوع آخر، إذ تكمن في عدم الوثوق بأن النظام الإيراني لن يعمد مستقبلاً إلى التحلل من أي التزامات بموجب الاتفاق المحتمل، والعودة إلى استئناف التخصيب على مستويات عالية. ناهيك بالقلق الإسرائيلي من أن تخفيف العقوبات الأميركية ستستغله الحكومة الإيرانية لترميم قدراتها الدفاعية، وإعادة بناء قدرات حلفائها في المنطقة.
الاتفاق وليس الحرب هو ما يقلق إسرائيل أكثر. وربما تكون مقاتلات “إف-22” التي تتمركز في قواعد إسرائيلية اليوم من قبيل الرسائل الأميركية المطمئنة لنتنياهو كي لا يقدم على إفشال المفاوضات، أو عاملاً مشجعاً كي يبدأ حرباً جديدة مستنداً إلى الدعم الأميركي.
كل هذه الرسائل في نهاية المطاف عنوانها إيران، حيث تشتبك عناصر القوة والتفاوض على مسرح واحد.
