سيرتك الذاتية أمام الخوارزمية… من يحمي القرار؟
ليست المشكلة في أن الخوارزمية تستطيع قراءة ألف سيرة ذاتية في دقائق، بل في أنها لا تستطيع أن “تشعر” بأيٍّ منها. في لحظة ما، يتحول اسم على الشاشة إلى قرار قد يغيّر مسار شركة أو حياة شخص. هنا تحديداً تتجاوز عملية التوظيف حدود البيانات، وتدخل في منطقة الحكم البشري، بكل ما يحمله من خبرة وحدس ومسؤولية. لذلك، ورغم التقدم اللافت في أدوات الذكاء الاصطناعي داخل أقسام الموارد البشرية، يبقى السؤال مطروحًا: أين يجب أن ينتهي دور الآلة ويبدأ دور الإنسان؟
لا خلاف على أن الذكاء الاصطناعي يقدم قيمة حقيقية في الجوانب التقنية من التوظيف. فهو يساعد في تحليل كميات ضخمة من الطلبات، وفي استخراج المهارات المتكررة، وصياغة الأوصاف الوظيفية بدقة، وصولاً إلى مقارنة الرواتب بالمعايير السائدة في السوق. كذلك يسهم في تسريع الإجراءات وضبط الامتثال للأنظمة. هذه مكاسب عملية لا يمكن تجاهلها، خاصة في المؤسسات الكبيرة التي تتعامل مع آلاف الطلبات سنويًا.
لكن التوظيف، في جوهره، لا يقتصر على مطابقة المهارات مع المتطلبات. إنه عملية معقدة تجمع بين العلم والفن. فاختيار المرشح المناسب يتطلب قراءة ما بين السطور، وفهم الدوافع الشخصية، واستشراف القدرة على التكيف والعمل ضمن ثقافة معينة. البشر لا يتحركون فقط بدافع الكفاءة التقنية، بل تحركهم الطموحات والهويات والسياقات الاجتماعية. وهذه عناصر يصعب اختزالها في نماذج رقمية.
التجربة التاريخية مع التحول الرقمي توضح بأن الحماس للتقنيات الجديدة لا يعني اعتماداً فورياً وكاملًا عليها. في بدايات انتشار الإنترنت، استمرت الأساليب التقليدية في العمل جنباً إلى جنب مع الأدوات الرقمية لسنوات.
احتاجت المؤسسات إلى وقت حتى تطمئن إلى موثوقية التكنولوجيا قبل أن تسند إليها قرارات محورية. والذكاء الاصطناعي اليوم يمر بمرحلة مشابهة، إذ يمكن توظيفه كمساعد قوي، لكن من المبكر منحه سلطة القرار النهائي في قضايا حساسة مثل التوظيف.
من التحديات الأساسية في اختيار الموظفين أن القرار غالباً ما يكون تسوية بين عناصر متعددة: خبرة مقابل ميزانية، مهارات تقنية مقابل انسجام ثقافي، سرعة التعيين مقابل جودة الاختيار. نادراً ما يتوافر مرشح يخلو من علامات الاستفهام. وغالبًا ما تراهن المؤسسات على إمكانات قابلة للتطوير، أو على فجوات يمكن سدّها بالتدريب. هذه الحسابات الدقيقة تتطلب فهماً عميقاً للعواقب، وهو ما لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على التقدير البشري.

إضافة إلى ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي ليس كياناً مستقلاً، بل نتاج للبيانات والتعليمات التي يضعها البشر. جودة نتائجه ترتبط مباشرة بجودة المدخلات.
فإذا كانت المعايير منحازة أو غير مكتملة، فإن الخوارزمية ستعيد إنتاج هذا القصور. ولهذا، فإن أفضل وسيلة للحد من تحيزات الذكاء الاصطناعي هي وجود فرق بشرية قوية تمتلك حسًا نقديًا وقدرة على المراجعة والتصحيح.
الخبرة العملية تؤكد أيضاً أن الأوراق لا تحكي القصة كاملة. كم من مرشح بدا مثالياً على الورق، لكنه أخفق في المقابلة؟ وكم من شخص لم يكن مطابقاً للمعايير الأولية، لكنه كشف عن قدرات غير متوقعة عند الحوار المباشر؟ الذكاء الاصطناعي يعتمد على ما هو مكتوب ومصنّف، بينما الإمكانات الحقيقية قد تظهر في التفاعل الإنساني.
لا يعني ذلك التقليل من شأن التكنولوجيا، بل إعادة تعريف دورها. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة فعالة لتقليص الوقت وتحسين الكفاءة ودعم القرار. لكنه لا ينبغي أن يقود القرارات الكبرى المتعلقة باختيار البشر وإدارة مساراتهم المهنية. فهذه القرارات تؤثر في ثقافة المؤسسات ومستقبلها بقدر ما تؤثر في الأفراد أنفسهم.
في المرحلة الراهنة، يبدو النموذج الأكثر توازناً هو ذلك الذي يجمع ما بين دقة التحليل الآلي وحكمة التقدير البشري. فالآلة قادرة على معالجة البيانات بسرعة مذهلة، لكن الإنسان وحده هو الذي يستطيع استيعاب التعقيد العاطفي والاجتماعي الذي يحكم سلوك الأفراد في بيئة العمل. وربما يأتي يوم تتغير فيه هذه المعادلة، إلا أنه حتى ذلك الحين سيبقى توظيف البشر مهمة ينبغي أن يقودها بشر.
