قصف قطر.. مَن يحاسب إسرائيل على كسر حصانة الوسيط؟
في تمام الساعة 3.46 عصر يوم الثلاثاء 9 سبتمبر، انتبه العالم لنبأ عاجل يشبه الصدمة أذاعته وكالة أنباء “رويترز” وتناقلته وسائل الإعلام العالمية؛ وهو استهداف إسرائيل لدولة قطر “الوسيطة” في مفاوضات وقف الحرب في قطاع غزة.. وتعلقت الدهشة بعقول وعيون المراقبين والسياسيين والرأي العالمي، والجميع يتساءل: كيف تكسر إسرائيل حصانة الوسيط؟ ومن يحاسبها؟ وما موقف أمريكا؟
بعد الضربة الإسرائيلية.. وزير الخارجية الأمريكي يلتقي رئيس وزراء قطر اليوم
أكثر المتشائمين لم يكن يتوقع أن يتم استهداف قطر الدولة “الوسيطة” المحبة للسلام والراعية للمفاوضات في عدة صراعات وملفات دولية والتي تحتضن مكتبا لحماس منذ سنوات، خاصة أن قطر لم تنخرط في الصراع بل حافظت على حيادها منذ 7 أكتوبر 2023.
هناك في “حي كتارا” الثقافي في العاصمة القطرية الدوحة وهو الحي الذي يضم سفارات وبعثات دبلوماسية ومدارس وشقق سكنية، حدث الهجوم واهتزّ الحي على وقع الانفجارات، واهتزّ الخليج والمنطقة كلها معه. وأعلنت إسرائيل أنها استهدفت قيادات من حركة المقاومة الإسلامية “حماس” كانوا في اجتماع تفاوضي برعاية قطرية أمريكية.
بعد الهجوم مباشرة، بدا الغضب القطري واضحا حيث وصفت الضربة الجوية بأنها “هجوم غادر” و”إرهاب دولة” ومحاولة لزعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي. وقال رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إن بلاده لن تتردّد في الرد، معلنًا تشكيل فريق قانوني لإعداد ملف لعرضه في المحافل الدولية.
في واشنطن، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن صمته ليعبّر عن امتعاضه من مكان الضربة، قائلاً إنه لم يوافق مسبقًا على العملية وإن التبليغ الأمريكي جاء “متأخرًا جدًا”. وأصدر البيت الأبيض بيانًا وصف فيه الهجوم بأنه “غير موفق” من الناحية الدبلوماسية، موضحًا أن إسرائيل لم تُخطر الولايات المتحدة إلا بعد وقوعه، في خطوة نادرة تعكس توترًا بين الحليفين.
هل تستحق إسرائيل محاكمة دولية؟
وفق القانون الدولي؛ فتل أبيب ارتكبت خرقًا واضحًا لسيادة دولة مسالمة عضو في الأمم المتحدة، واستهدفت وفدًا سياسيًا، وأظهرت نمطًا من السلوك يرقى إلى وصف “الانتهاك الممنهج”.
لكن النظام الدولي الحالي بتوازناته وأحلافه، يفرض مسارا مسيّسا على هذه المحاكمة. فالولايات المتحدة تعارض دوما جرّ حليفتها إلى قفص الاتهام، وأوروبا منقسمة بين مصالحها الأمنية والاقتصادية وأخلاقياتها المعلنة.
ومع ذلك، ما حدث في الدوحة يترك أثرًا بعيد المدى، فالدول المسالمة ستشعر أن دور الوسيط لم يعد آمنًا، وأن استضافة وفود النزاع قد تجرّها إلى قلب الصراع. وهذا بحد ذاته يُضعف قدرة المجتمع الدولي على إدارة الأزمات بالحوار.
المطاردة القانونية لإسرائيل
أثار القصف الإسرائيلي الذي استهدف وفد حماس التفاوضي في الدوحة عاصفة من الإدانات، لكنه فتح أيضًا الباب أمام سؤال قانوني ملحّ: هل يمكن ملاحقة إسرائيل على هذا العمل أمام القضاء الدولي؟ وما هي الأسس التي يمكن أن تستند إليها قطر في معركتها المقبلة؟
من الناحية القانونية، يبدو الملف متينًا. فالميثاق التأسيسي للأمم المتحدة يحرّم في مادته الثانية استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. وقطر، بوصفها دولة غير محاربة، تعرضت لعدوان مباشر على سيادتها، وهو ما يجعل الضربة خرقًا صريحًا لهذا النص. أما اتفاقيات جنيف لعام 1949 التي تنظّم قوانين الحرب، فهي تحظر استهداف المدنيين والأعيان غير العسكرية.
ومن الواضح أن اجتماع وفد سياسي في عاصمة ثالثة لا يدخل ضمن تعريف “الأهداف العسكرية المشروعة”. وبذلك يمكن توصيف العملية باعتبارها “هجومًا غير مميّز” يتجاوز حدود النزاع المسلح. يضاف إلى ذلك تعريف العدوان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974، والذي ينطبق على هذه الحالة بوضوح، وهو استخدام قوة مسلحة ضد سيادة وسلامة إقليم دولة أخرى. ورغم غياب نص صريح يمنح الوفود التفاوضية حصانة خاصة، فإن الأعراف الدبلوماسية والقانون العرفي الدولي يفرضان على الدولة المضيفة حمايتها، مما يجعل استهدافها خرقًا لمبدأ حسن النية في العلاقات الدولية.
أين يمكن مقاضاة إسرائيل أو قادتها؟
محكمة العدل الدولية تبدو الخيار الأول، إذ تختص بالنزاعات بين الدول، ويمكن لقطر أن ترفع دعوى بتهمة انتهاك سيادتها. غير أن إسرائيل لم تعترف بالولاية الإلزامية للمحكمة، وهو ما يعني أن الدعوى قد تصطدم برفضها ما لم يتدخّل مجلس الأمن.
أما المحكمة الجنائية الدولية التي تختص بمساءلة الأفراد، فلها ولاية على جريمة العدوان منذ عام 2010. والمشكلة أن إسرائيل ليست طرفًا في نظام روما الأساسي، وقطر أيضًا لم تنضم إليه، مما يجعل الإحالة عبر مجلس الأمن الطريق الوحيد، وهو مسار يصطدم مجددًا بجدار الفيتو الأمريكي.
هناك أيضًا خيار القضاء الوطني عبر مبدأ “الاختصاص العالمي”، الذي يمنح بعض المحاكم في دول مثل إسبانيا وبلجيكا وجنوب أفريقيا صلاحية النظر في جرائم الحرب حتى لو ارتُكبت خارج حدودها. ويمكن لقطر أو حلفائها تقديم شكاوى أمام هذه المحاكم، وهو مسار سبق أن استُخدم ضد قادة روانديين، وحاول ناشطون تطبيقه على مسؤولين إسرائيليين في بريطانيا. إلى جانب ذلك، يمكن تفعيل آليات الأمم المتحدة نفسها، فمجلس الأمن قادر من الناحية النظرية على إصدار قرار يصف الهجوم بالعدوان ويحيل المسؤولين إلى المحكمة الجنائية الدولية، في حين تستطيع الجمعية العامة، إذا عُطّل المجلس بالفيتو، اللجوء إلى آلية “الاتحاد من أجل السلام” لإصدار قرار غير ملزم يمنح قطر غطاءً سياسيًا إضافيًا.
وتظل آفاق المطاردة الواقعية معقّدة. فالفيتو الأمريكي يمثل العقبة الأبرز، إذ تلتزم واشنطن بحماية إسرائيل من أي محاسبة دولية. لذلك قد تسعى قطر إلى مسارات بديلة، مثل اللجوء إلى محاكم أوروبية، أو الدفع نحو تشكيل لجنة تحقيق دولية عبر مجلس حقوق الإنسان، أو حتى ممارسة ضغط دبلوماسي واقتصادي على شكل عقوبات ومقاطعة. وحتى لو لم تصل هذه المساعي إلى محاكمات فعلية، فإن تحريك الملفات القانونية بحد ذاته يضع قادة إسرائيل تحت ضغط دائم، ويقيد حركتهم في السفر إلى دول معينة خشية الملاحقة.
