إبادة معلنة للصحافة| إسرائيل تقتل الصحفيين أكثر من كل الحروب الكبرى مُجتمعة
مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، كشفت شهادات صحفية دولية أن ما يجري في القطاع المكلوم، من قصف وتدمير إسرائيلي محكم متعمد، يشمل أيضًا حربًا مُعلنة ضد الصحافة ذاتها.
وأن ما يجري في غزة من قصف عشوائي، هي استراتيجية منظمة لإسكات الشهود على الحقيقة، وقتل الصحفيين الفلسطينيين بأعداد غير مسبوقة “تاريخيًا” يكشف نية واضحة نحو «محو الأدلة على الجرائم، ومنع العالم من رؤية ما يحدث، ودور الإعلام الغربي، بترديده الأكاذيب الإسرائيلية، لا يغطي الحقيقة، ويُشرعِن قتل الصحفيين ويمهّد الطريق لمزيد من الإبادة».
فإسرائيل، وفق تقارير وشهادات صحفيين مخضرمين تُمارس استهدافًا مباشرًا للصحفيين الفلسطينيين، في محاولة واضحة لإسكات الأصوات التي تنقل للعالم صور الإبادة والجرائم الإسرائيلية اليومية، وفقًا لما أفاد به هو الصحفي الأمريكي «كريسلين هيدجز» (وهو كاتب وصحفي ومراسل عسكري أمريكي)، عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “إكس” (تويتر سابقًا).
وبحسب ما كشفته الأرقام، فمنذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول، استشهد أكثر من 245 إلى 273 صحفيًا فلسطينيًا، وهو عدد يتجاوز ـ لأول مرة في التاريخ ـ مجمل الصحفيين الذين لقوا مصرعهم في الحرب الأهلية الأمريكية، والحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الكورية، وحرب فيتنام وصراعات كمبوديا ولاوس، وحروب يوجوسلافيا، والحرب في أفغانستان بعد 11 سبتمبر، مجتمعين.
لتصنف هذه الأرقام، قطاع غزة أخطر منطقة في العالم على العمل الصحفي، وفقًا لما أفاد به مقال الصحفي الأمريكي «كريسلين هيدجز».
اقرأ أيضًا| تفاصيل الكمين الأعنف منذ «طوفان الأقصى»| قتلى ومفقودون في صفوف جنود الاحتلال
صحافة ميدانية حقيقية مقابل «صحافة فنادق»
يُميز «هيدجز» بين نوعين من المراسلين الحربيين:
– النوع الأول: صحفيون يخاطرون بحياتهم، يذهبون إلى ساحات القتال وينقلون الحقيقة كما هي، وهؤلاء قلة نادرة، بحسب وصفه.
– النوع الثاني: صحفيون يكتفون بالمؤتمرات الصحفية، ومقابلاتهم مع مسؤولين، هؤلاء يعيشون غالبًا في “فقاعة الفنادق”، حيث الحفلات واللقاءات الرسمية، بينما يكررون الدعاية كما لو كانت أخبارًا حقيقية، بحسب تعبيره.
أما في غزة، يظهر الفارق بوضوح ــ ووفقًا للصحفي «كريسلين هيدجز» ــ الصحفيون الفلسطينيون يخاطرون بحياتهم يوميًا لتوثيق الجرائم في القطاع، بينما كثير من المراسلين الغربيين يقفون عند الحدود، يرتدون الخوذ والسترات الواقية، ويذيعون ما يُملى عليهم من الجانب الإسرائيلي.
لماذا يُستهدف الصحفيون الفلسطينيون؟
الصحفيون الفلسطينيون يُعتبرون “العدو الأكبر” للرواية الإسرائيلية الرسمية ــ بحسب «كريسلين هيدجز» ــ لأنهم يفضحون الحقائق بالصورة والصوت، ويوثقون المجازر الإسرائيلية بشكل يصعب إنكاره… لهذا السبب يتم استهدافهم بشكل مباشر يتمثل في:-
– اغتيالات متعمدة، مثل الهجمات “المزدوجة” التي تستهدف أولًا تجمعًا مدنيًا، ثم تُعيد القصف لقتل الصحفيين الفلسطينيين والمسعفين الذين يهرعون لإنقاذ الضحايا، كما حدث في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة والتي راح ضحاها خمسة صحفيين وعدد من الجرحى بالمستشفى والمسعفين الذين كانوا يحاولون إنقاذهم.
وهذه السياسة تُعد انتهاكًا صريحًا للمادة 79 من اتفاقية جنيف التي تحمي الصحفيين كمدنيين في مناطق النزاع.
اقرأ أيضًا| مجزرة ناصر الطبي| اغتيال الصحافة الفلسطينية تحت القصف الإسرائيلي المزدوج في خان يونس
أكاذيب تُصنع وتُسوَّق عبر الإعلام الغربي
يروي «هيدجز» كيف شاهد بنفسه الفجوة بين ما يحدث على الأرض وما يُنقل عبر الإعلام خلال فترة اندلعت فيها إحدى الحروب، حيث روّج الإعلام الغربي لرواية أخرى،
وهذا النمط يتكرر اليوم مع غزة، وفقًا له.
فمثلا، وكالة “رويترز” نفسها اعترفت أن إسرائيل كانت تعلم أن كاميراتها تُصور من مستشفى ناصر قبل أن يُستهدف بغارة قتلت صحفيين.
وبحسب الصحفي الأمريكي «هيدجز»، هكذا تتحول الأكاذيب الإسرائيلية إلى “رواية رسمية” تُبث عالميًا، ما يُشرعن القتل الجماعي ويمحو الحقيقة من الوعي العام..
اقرأ أيضًا| تقرير| هكذا استخدمت إسرائيل نظام مُراقبة للتجسس على ملايين الفلسطينيين
أبعاد أخلاقية ومهنية
وأفاد هيدجز، بأن «الصحافة، وفق معاييرها المهنية، هي نقل الحقيقة لا ترديد الدعاية».. «لكن في الحالة الفلسطينية، غالبية الإعلام الغربي يُفضّل الوصول إلى المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين على الحقيقة الميدانية، وأي صحفي ينتقد الرواية الرسمية يُعاقب بالحرمان من المؤتمرات أو التهميش أو حتى فقدان وظيفته».
ولخص جون سيمبسون، كبير مراسلي شبكة «بي بي سي» البريطانية ومحرر الشؤون العالمية، الموقف بقوله: “العالم بحاجة إلى تقارير شهود عيان صادقة وغير متحيزة، وهو ما أصبح مستحيلًا في غزة”.
اقرأ أيضًا| الصمت القاتل.. صحفية تروي كواليس قمع «بي بي سي» للحقيقة في تغطية أحداث غزة





