الذكاء الاصطناعي بين الأتمتة والتعاون: كيف نختار الطريق الآمن للمستقبل؟
لا يختلف اثنان على أن المستقبل سيشهد مستويات غير مسبوقة من الأتمتة، لكن السؤال الجوهري هو: كيف نصل إلى هناك من دون أن نخسر الخبرة البشرية التي شكّلت لقرون حجر الزاوية في التقدّم العلمي والتقني؟ السعي وراء الأتمتة الكاملة قد يقود إلى نتائج غير مرغوبة، خاصة إذا لم تُصمّم الأنظمة لتعمل جنبًا إلى جنب مع الإنسان بدلًا من استبعاده.
دروس من الطب: عندما تتراجع الدقة مع التقنية
في دراسة أُجريت بمعهد MIT عام 2024، استخدم الأطباء أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي تُعرف باسم CheXpert. المفاجأة أن دقة التشخيص لم تتحسن، بل تراجعت. السبب؟ غياب الوضوح حول متى ينبغي الوثوق بتوصيات الأداة ومتى يجب الاعتماد على الخبرة البشرية. الأطباء واجهوا قرارات مربكة: هل يتبعون الأداة حين تقدّم تنبؤات واثقة أم يتّكلون على حكمهم الخاص؟ النتيجة كشفت أن الأتمتة غير الكاملة قد تعيق الخبراء إذا لم تُصمَّم للتكامل معهم.
في هذا السياق، أوضحت الدكتورة نانسي بدران، مهندسة حلول الحوسبة السحابية في الحكومة الفدرالية الكندية، خلال حديثها لـ “النهار”: “الأتمتة تمنحنا سرعة وكفاءة غير مسبوقة، لكنها تتحوّل إلى خطر إذا ألغت دور الإنسان تمامًا. المطلوب أنظمة ذكية تدعم الخبراء بالمعلومات والتحليلات، بينما يبقى القرار النهائي بيد البشر. هذا التكامل يمنحنا الأمان والدقة، خاصة في المواقف المعقّدة”.
وأضافت بدران: “لا يكفي أن تكون الأنظمة ذكية وسريعة، بل يجب أن تكون مفهومة. إذا لم نعرف كيف توصلت الخوارزمية إلى قرارها، يصعب محاسبتها أو تصحيح أخطائها. أما في البعد الأخلاقي، فقد تقترح الخوارزميات حلولًا مثالية حسابيًا لكنها كارثية اجتماعيًا، وهنا يأتي دور البشر لضبط الإيقاع”.
حادث الطائرة: دروس من السماء
حادث طائرة Air France 447 عام 2009 يوضّح مخاطر الاعتماد الكلي على الأتمتة. بعد تعطل أجهزة استشعار السرعة، سلّم الطيار الآلي السيطرة إلى الطيارين في لحظة حرجة. لكن المهارات اليدوية للطاقم كانت قد ضعفت بفعل الاعتماد الطويل على الأنظمة الآلية، فوقع الحادث المأساوي. هنا يتضح أن الأتمتة الكاملة ليست ضمانًا للأمان، وأن غياب التعاون الحقيقي بين الإنسان والآلة قد تكون عواقبه كارثية.
على النقيض، أثبتت تقنيات مثل شاشات العرض الأمامية (HUD) فعاليتها، إذ تزوّد الطيارين بالمعلومات لحظة بلحظة دون أن تحاول استبدالهم، ما يعزّز وعيهم ويدعم قراراتهم بدلًا من إلغائها. هذه المقاربة قلّلت الحوادث وحافظت على مهارات الطيارين، لتصبح نموذجًا يحتذى به في مجالات أخرى.
التعاون أم الأتمتة الكاملة؟
الذكاء الاصطناعي يجمع بين الأمرين: يمكنه أتمتة بعض المهام بالكامل، كما يمكنه التعاون مع البشر في مهام أخرى. لكن المشكلة تظهر عندما تُصمّم الأنظمة للأتمتة المطلقة في مجالات تتطلب خبرة بشرية حاسمة.
في الطب مثلًا، أظهرت دراسة حديثة في مجلة PNAS أن الأطباء الذين تعاونوا مع أنظمة الذكاء الاصطناعي حققوا نتائج تشخيصية أدق بنسبة تصل إلى 85% مقارنة بعمل الأطباء أو الأنظمة منفردة.
كما يقدّم نظام AMIE من جوجل نموذجًا مميزًا، إذ يطرح أسئلة توضيحية، يشرح أسبابه، ويتيح للأطباء التحقق من نتائجه، ما يجعله أداة تعاون حقيقية تعزز مهارات الأطباء بدلًا من إضعافها.
تحديات التدريب والخبرة البشرية
حذّرت بدران من أن الأتمتة إذا لم تُصمَّم بعناية، قد تقلِّص فرص التدريب العملي للأطباء والمهندسين والطيارين الشباب. فإذا حملت الخوارزميات عبء القرار الكامل، قد ينشأ جيل من الخبراء يفتقر إلى المهارات العملية والنقدية، ويتحوّل إلى مجرّد “مراقب” للأنظمة بدلًا من أن يكون خبيرًا قادرًا على التدخل عند الحاجة.
كما أوضحت أن التدخل البشري يجب أن يبقى حاضرًا في التصميم، التطوير، واتخاذ القرارات عالية الخطورة، بالإضافة إلى المراقبة المستمرة وتصحيح المسار.
التوازن ضرورة لا خيار
الاعتماد المفرط على الأتمتة يهدّد بضعف التفكير النقدي وزيادة خطر قبول النتائج الخاطئة إذا قُدّمت بثقة مفرطة. لذلك، الحل ليس في رفض الأتمتة ولا في القبول الأعمى بها، بل في تصميم أنظمة تدمج بين سرعة ودقة الآلات وخبرة البشر.
الهدف هو الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي الهائلة، دون التخلي عن الفهم الإنساني للسياق والأبعاد الأخلاقية والقرارات المصيرية.
المستقبل المشترك بين الإنسان والآلة
مع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، سيصبح حاضرًا في كل تفاصيل حياتنا، من النقل إلى الطب والتعليم. لكن نجاحه يعتمد على اختيار الطريق الصحيح: أنظمة تدعم البشر وتتعاون معهم، لا أنظمة تستبعدهم أو تقلل من دورهم. الدروس المستخلصة من الطيران، الطب، والتقنية تقود إلى نتيجة واحدة: المستقبل يتطلب توازنًا ذكيًا بين الأتمتة والتعاون لضمان الأمان والكفاءة واستمرار تطور الخبرة البشرية جنبًا إلى جنب مع الآلة.
