في عصر الذكاء الاصطناعي: الشهادة خطوة أولى فقط
منذ سنوات قليلة، كانت الشهادة الجامعية المفتاح الرئيسي لمعظم أبواب سوق العمل. يكفي أن تحمل ورقة تُثبت أنك “مؤهّل” لتحصل على فرصة، أو على الأقل ليُؤخذ كلامك على محمل الجد. لكن هذا التصوّر لم يعد كما كان، لا بسبب تغيّر أنظمة التوظيف فقط، بل لأن طبيعة العمل نفسها تغيّرت. فالتحوّل الرقمي، وتطوّر أدوات الذكاء الاصطناعي، وتوجّه الشركات نحو اعتماد المهارات بدل المؤهّلات، كلّها عوامل فرضت واقعًا جديدًا يعيد رسم معايير الكفاءة من جذورها.
وخلال مقابلتها مع “النهار”، ترى الدكتورة فيولا مخزوم، أستاذة جامعية وباحثة في تكنولوجيا التربية والتعليم، مديرة المركز الديمقراطي العربي في لبنان، ورئيسة تحرير مجلة “مؤشر” للدراسات الاستطلاعية، أن الشهادة لم تعد ضماناً كافياً، ولا يمكن الاعتماد عليها وحدها لإثبات الجدارة. فالواقع اليوم يتطلب قدرة حقيقية على التعلّم المستمر، ومهارة في حل المشكلات، وكفاءة في التكيّف مع أدوات رقمية تتطوّر بسرعة ويصعب اللحاق بها ضمن مناهج تقليدية. وتشير إلى تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (2023) الذي كشف أن 44% من المهارات الحالية ستتغير خلال خمس سنوات، نتيجة تسارع التكنولوجيا وتحوّلات سوق العمل.
وتضيف أن الشهادة الجامعية ما زالت تحتفظ بجزء من قيمتها، لكنها لم تعد كافية بمفردها، إذ تحتاج الجامعات إلى إعادة النظر في محتواها ومنهجيتها، بحيث تُدمج الدراسة النظرية بالتدريب العملي، والمشاريع التطبيقية، وتنمية المهارات الرقمية التكيفية. وبهذا يمكن أن تستعيد الشهادة دورها في تأهيل خريجين يمتلكون بالفعل أدوات المنافسة.
وتؤكد د. مخزوم أن التعليم التقليدي بات عاجزاً عن مجاراة وتيرة التغيّر. فمقرراته غالباً ما تكون جامدة، والمسار الأكاديمي طويل ومحدود بزمن لا يتماشى مع سرعة التحول التقني. أما التعلّم المستمر، فهو أكثر مرونة، ويستجيب فعليًا لمتطلبات السوق. وتلفت إلى أن الشركات اليوم تبحث عن موظفين قادرين على تحديث مهاراتهم بسرعة، وهو ما يدعمه تقرير LinkedIn Learning (2024)، الذي يشير إلى أن 94% من الموظفين يميلون للبقاء في الشركات التي تستثمر في تطويرهم المهني.
وترى أن بناء مسار مهنيّ مستقرّ لم يعد مشروطاً بالحصول على شهادة تقليدية، بل يمكن تحقيقه من خلال الدورات المكثفة عبر الإنترنت مثل Coursera وedX، أو الشهادات المهنية العالمية مثل Google Career Certificates، إضافة إلى بناء ملف رقمي يعرض المهارات والمشاريع، والمشاركة الفعّالة في المجتمعات المهنية.

أما المهارات التي باتت مطلوبة في ظل التحول الرقمي، فترى د. مخزوم أنها كثيرة ولا تزال مغيبة عن مناهج التعليم العالي. وتشير إلى أهمية التفكير النقدي واتخاذ القرار القائم على البيانات، باعتبارهما من ركائز القيادة الحديثة. وتستشهد بحالة طالب في ريادة الأعمال يعتمد على أدوات تحليل بيانات مثل Google Trends واستبيانات رقمية بدل الحدس، لتحديد فكرة مشروعه.
كما تؤكد أن الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل “تشات جي بي تي” و “كوبايلوت” ، لم يعد رفاهية، بل أداة يومية في العمل والدراسة. فالطالبة التي تستخدم هذه الأدوات لتلخيص مقال أكاديمي تفعل ذلك بمسؤولية، من خلال المراجعة والتدقيق والإشارة إلى المصدر، مما يعكس وعياً رقمياً يجب أن يُنمّى.
وتُبرز أهمية تطبيق منهجيات مثل Agile في العمل الجماعي، حيث لم يعد من المجدي وضع خطة نهائية في بداية المشروع، بل العمل ضمن دورات قصيرة (Sprints) تتضمن التجربة والتقييم المستمر. وتشير إلى أن هذه الطريقة شائعة في كبرى شركات البرمجيات، لكنها غائبة عن العديد من الجامعات.
ولا تُغفل د. مخزوم أهمية المرونة الذهنية والتكيّف السريع، مُشيرة إلى أساتذة اضطروا خلال جائحة كورونا إلى التخلّي عن أدواتهم التقليدية والتعلّم من منصات رقمية مثل Zoom وMoodle؛ هذا التحدي كان مؤلمًا لبعضهم، لكنه ضروري للقدرة على البقاء والتطور.
وتلفت أيضاً إلى الحاجة المُلحّة لترسيخ الوعي الرقمي والأخلاقيات السيبرانية في المناهج. وتروي قصة طالب واجه رابطاً مشبوهاً يدّعي تقديم منحة، فاختار عدم مشاركته، وأبلغ زملاءه والإدارة. هذا النوع من الحس الرقمي، وفق ما تقول، يجب أن يكون جزءاً من التربية الجامعية، لمواجهة التضليل والاحتيال الرقمي.
في ما يخص التوظيف، ترى د. مخزوم أن المؤسسات لم تعد تنظر إلى الشهادة بوصفها المؤشر الوحيد على الجدارة. فالتحوّل إلى التوظيف القائم على المهارات بات واقعًا، كما تشير تقارير مثل Harvard Business Review (2023)، التي تذكر أن أكثر من 50% من إعلانات الوظائف في الولايات المتحدة لم تعد تشترط الشهادة الجامعية. وتقول إن المهارات المطلوبة حالياً تشمل التعلّم المستمر، والمرونة في استخدام الأدوات الرقمية، والعمل الجماعي الفعّال، وإثبات القدرات من خلال مشاريع حقيقية.
وتختم حديثها بالتأكيد على أن الجدارة لم تعُد تُقاس بما حُصّل في الماضي، بل بما يمكن تطويره الآن. فالمهارة أصبحت اللغة المشتركة بين الفرد وسوق العمل. وإذا لم تبادر الجامعات إلى التغيير، فإن السوق سيفرض معاييره… وربما يتجاوزها.
