أخبار

أمهات يصنعن الحياة من تحت الركام-الحياة الجديدة

0 0
Read Time:2 Minute, 23 Second

رام الله – الحياة الجديدة – في شوارعٍ غطّاها الرماد، وبين أنقاضٍ كانت يومًا بيوتًا، تقف نساء غزة في وجه الموت دون درع، وفي ظهر الحياة دون سند. وحدهن من يعرفن كيف يُشعلن نار الطبخ على الحجارة، ويُرضعن أطفالًا في الخيام، ويُخفين الدموع تحت وشاحٍ مُرقّع بالصبر.

بين خيمةٍ وأخرى، وفي أزقة فقدت ملامحها، تتقاطع خُطى نساء لم تجمعهن قرابة، بل جمعت بينهن نكبة مستمرة لا تنتهي عند فقدان بيت أو استشهاد عزيز، بل تمتد في نظرات الأطفال الجائعين، في بكاء الرضيع حين يجوع، وفي الانتظار الطويل لكل ما كان يومًا بسيطًا كالماء، الدواء، وحتى لحظة صمت.

أم رقيّة، نازحة من حي الزيتون، كانت تضم طفلتها الرضيعة بين ضلوعها بالكاد يحميها من الموت ، وقالت لي بنبرة لا تخلو من وجع “دفنّا أولادنا بأيدينا، ثم رجعنا على الخيمة نحاول نرضع الحياة من ثدي اليأس “كانت عيناها تائهتين، تبحثان في الفراغ عن شيءٍ سُرِق منها، شيءٍ تعرف أنه لن يعود.

الحمل في غزة لم يعد خبراً مفرحاً ،بل أصبح سؤالًا ثقيلًا يطرق قلوب النساء قبل آذانهن “هل سألد تحت القصف؟ هل سيبقى الجنين حيًا؟ هل هناك طبيب إن احتجت؟”.
أسئلة لا تُقال إلا همسًا، في وقتٍ تحوّلت فيه مشافي الولادة إلى ملاجئ شبه خاوية، تفتقر لأبسط مقوّمات الرعاية.

سلمى نبهان ، شابة في التاسعة والعشرين من عمرها، كانت تعمل معلّمة في روضة أطفال، واليوم تسكن في مدرسة تحوّلت إلى مأوى ،جلستُ معها في ركنٍ خالٍ من المقاعد، وقالت لي وهي تحاول أن تبدو قوية رغم كل شيء: “كنت أحلم أفتح حضانة ،اليوم بعلّم الأطفال كيف يختبوا وقت القصف، وكيف ما يصرخوا علشان الطائرات المسيرة”الكواد كابتر “ما تسمع بكاهم.”

لم تعد نساء غزة يحملن حقائب يد أنيقة، ولا زجاجات عطر. صرن يحملن بقايا الصور، وحفاضات الأطفال،لقمة خبز، وجرة ماء إن وُجدت. 
في قلوبهن خزّنت تفاصيل النجاة، وفي أذرعهن احتضنّ أبناء فقدوا آباءهم، وأطفالًا لم يعرفوا طعم الأمان. هنّ من يطبخن بلا أدوات، ويُداوين بلا دواء، ويُربّين في زمن الخوف أطفالًا صاروا أكبر من أعمارهم.

وفي ساحة مدرسة مدمّرة، التقيت بأم أحمد، امرأة خمسينية، كانت تُسند ظهرها إلى حائط متآكل من القصف. قالت لي وهي تنظر إلى الركام حولها: “ما عندنا وقت للبكاء… إذا بكينا، مين يربّي الصغار؟ مين يجيب الخبز؟  مين يعبي ميا ؟مين يداوي الجرح؟ إحنا الحيطة اللي الكل ياند عليها ،لو وقعنا، الكل بيقع.”

هذه المشاهد ليست من فيلم، ولا من رواية خيالية. هي تفاصيل يومية لنساء لم تُفتح لهن أبواب النجاة، ولم تُجهّز لهن أماكن آمنة، فبقين في عمق النار، يتعاملن مع الموت كخبر يومي، ويصنعن من فتات الحياة ما يكفي للاستمرار.

نساء غزة اليوم، لم يَعُدن نصف المجتمع فقط، بل أصبحن روحه وضلعه ودرعه الأخير. من تحت الركام يرفعن البيت من جديد، ومن تحت الرماد يُعلّمن أبناءهن أن الأم، حتى في الحرب، لا تترك يد الحياة

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *