“جيل التوجيهي تحت الأنقاض”.. طلاب غزة بين الحصار والحرمان من المستقبل-الحياة الجديدة
رام الله – الحياة الجديدة- “كان حلمي أن أصبح طبيبًا.. اليوم لا أملك دفترًا ولا مقعدًا ولا حتى سقفًا أدرس تحته”.. بهذه الكلمات اختصر الطالب محمد أبو عاصي (17 عامًا) من مدينة غزة، المأساة العميقة التي يعيشها طلاب الثانوية العامة في القطاع المحاصر والمُدَمَّر، بعد أكثر من تسعة أشهر من الحرب الشاملة التي شلّت كل مكونات الحياة، وعلى رأسها الحق في التعليم.
أكثر من 39 ألف طالب ثانوي بدون مستقبل بحسب وزارة التربية والتعليم في غزة، حُرم نحو 39,000 طالب وطالبة من أداء امتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) هذا العام، بسبب استمرار الحرب الإسرائيلية، وتدمير المدارس، وانعدام البيئة التعليمية الآمنة. وتعد هذه هي السنة الدراسية الثانية التي تنقطع فيها الدراسة بشكل شبه كامل في غزة، بعد أن بدأت الحرب في 7 أكتوبر 2023، مخلفة دمارًا واسعًا وشاملًا طال كل القطاعات.
مدارس مدمرة وتحوّل إلى ملاجئ تحولت أكثر من 85٪ من مدارس القطاع إلى ملاجئ للنازحين، أو أصبحت ركامًا بفعل القصف الإسرائيلي المكثف. وأكدت منظمة الأمم المتحدة (الأونروا) أن هناك أكثر من 352 مدرسة دُمّرت أو تضررت جزئيًا، مما يجعل استئناف التعليم أمرًا شبه مستحيل دون إعادة إعمار واسعة النطاق.
كما أن جميع الجامعات في غزة وعددها 12 تعرضت لدمار جزئي أو كامل، وهو ما حرم أيضًا آلاف خريجي الثانوية من التقديم أو القبول الجامعي.
هناك مقابلة مع قناة PBS الأمريكية، عبّر عدد من الطلاب والطالبات عن فقدانهم الأمل بالمستقبل، خاصة أن التعليم عن بُعد غير ممكن في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت بالكامل تقريبًا في معظم مناطق القطاع. كما أن المدارس البديلة التي أنشأتها بعض المنظمات كخيام، سرعان ما تعطّلت بعد استئناف العمليات العسكرية.
وزارة التعليم في غزة أعلنت أن الحرب أدّت حتى الآن إلى استشهاد أكثر من 5,400 طالب وطالبة، بينهم مئات من طلاب الثانوية العامة، إضافة إلى استشهاد نحو 209 معلمًا وإداريًا. بينما أصيب آلاف آخرون، بعضهم بإعاقات دائمة، مما أدى إلى أزمة نفسية وتعليمية مركبة بين صفوف الطلبة.
منظمة “أنقذوا الطفولة” (Save the Children) واليونيسف حذرتا من أن نحو 90% من طلاب غزة يعانون من اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، خاصة طلاب المراحل الثانوية الذين يشعرون بالضغط الكبير بسبب ضياع مستقبلهم الدراسي. وتشير دراسات حديثة من جامعة كامبريدج إلى أن التعليم في غزة “تراجع أكثر من 5 سنوات إلى الوراء”، وسط مخاوف من “نشوء جيل ضائع”.
أعلنت وسائل إعلام بريطانية أن عشرات الطلاب الفلسطينيين الذين حصلوا على قبولات في جامعات مرموقة مثل أكسفورد وكامبريدج، فشلوا في مغادرة غزة بسبب إغلاق المعابر وعدم القدرة على إصدار تأشيرات سفر أو اجتياز الفحوص الأمنية. وقد دعت عدة منظمات إنسانية الحكومات الأوروبية والعربية إلى تسهيل خروج هؤلاء الطلاب وإنقاذ مستقبلهم الأكاديمي.
رغم بعض المبادرات المجتمعية والتعليمية المحدودة، إلا أن الواقع يبقى مظلمًا في ظل غياب أي خطة حكومية أو دولية حقيقية لإعادة إعمار قطاع التعليم في غزة. ويبدو أن طلاب الثانوية، الذين يُفترض أن يكونوا نواة بناء الوطن، أصبحوا ضحايا مباشرون لآلة الحرب والعجز الدولي عن إنقاذ جيل بأكمله من الضياع.
في منطقة مواصي رفح، تجلس ليلى خليل، طالبة في الثانوية العامة، داخل خيمة مزقتها الرياح، تحمل في يدها صورة قديمة لمدرستها التي دُمّرت، وفي الأخرى ذكرى حلم كان اسمه “الهندسة”.
“كنت أحلم بأن أصبح مهندسة،” تقول ليلى بصوت خافت، “لكننا اليوم نعيش بين الخيام، ولا أملك حتى كتابًا واحدًا أراجعه.”
ليلى واحدة من عشرات الآلاف من الطلبة الذين خطفت الحرب أحلامهم قبل أن تسرق أرواح بعضهم.
ما يجري في غزة ليس مجرد انقطاع في العملية التعليمية، بل انهيار كامل لنظام بأكمله.
الأستاذ ناصر الشوا، معلم اللغة العربية، يروي المشهد من داخله، وقد خطّ الزمان على ملامحه ندوب الألم:
“لم يتبقَّ شيء اسمه تعليم، فقدنا طلابنا ومدارسنا وكتبنا.. ولم يبقَ سوى الألم.”
الأرقام تحكي القصة بصرامة ووجع:
أكثر من 39,000 طالب ثانوي حُرموا من التقدم لامتحاناتهم المصيرية، وتعرّضت 352 مدرسة لأضرار كلية أو جزئية، فيما سقط 5,479 طالبًا شهيدًا منذ بداية الحرب، وتم تدمير أو إغلاق 12 جامعة بشكل كامل، أما نسبة الانقطاع عن التعليم فباتت تتجاوز 95%، والأشد إيلامًا أن 90% من الأطفال في القطاع، وفقًا لليونيسف، يعانون من صدمات نفسية عميقة.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي شهادات على مأساة جيلٍ بأكمله كان يستعد لاجتياز أكثر مراحل حياته حساسية.
جيل التوجيهي في غزة لا يحمل اليوم أقلامًا، بل يحمل على كتفيه أوجاع الحرب، والخوف من المجهول، وذكريات مقاعد دراسية تحوّلت إلى رماد.
غزة اليوم لا تُقصف فقط بالصواريخ، بل تُقصف بمصادرة مستقبلها العلمي، وسرقة طلابها، وتدمير عقولها النابغة.
فهل تتحرك الضمائر، قبل أن نُعلن موت التعليم رسميًا في هذا الجزء المحاصر من العالم؟
