نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في زقاق ضيق من…
نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في زقاق ضيق من أزقة مخيم بلاطة للاجئين، كانت الحياة تمضي بإصرار رغم الموت المتراكم هناك.
ثلاثة أطفال يركضون خلف كرة بلاستيكية ضاحكين، كأن المخيم لم يشهد لتوه عملية اقتحام واسعة، يصرون على مواصلة الحياة ويدركون أن في داخلهم ذاكرة عامرة بحق اسمه العودة.
حائط متهالك كتب عليه في المخيم الذي زاد عدد اللاجئين فيه عن 33 ألفا، عبارة “سنعود”، يراقبهم مسن ما زال يعرف مكان بيته في يافا، رغم بلوغه من الكبر عتيا.
تيسر نصر الله عضو المجلس الثوري لحركة فتح، والذي ترعرع في زقاق مخيم بلاطة يدرك أن الزقاق ضيق، لكنه برأيه يتسع لذاكرة وطن، وعين الطفل الفلسطيني فيه لا ترى الركام فقط، بل ترسم من بين الشظايا طريقا إلى صفد، ويافا، واللد، مؤكدا أن حق العودة لا يسقط بالتقادم.
قالها تيسير نصر الله، لا كمن يلقي تصريحا سياسيا عابرا، بل كمن يكتب بدم القلب سفر البقاء.
ويضيف: “ما يجري في مخيمات الضفة الفلسطينية المحتلة ليس مجرد دوي جرافات أو زحف آليات، بل هو محاولة لاغتيال الذاكرة، لاقتلاع الفكرة من جذورها، لتحويل المخيم إلى حي باهت ملحق بمدينة، يسلب منه اسمه، وتجتث من داخله فكرة حق العودة”.
لكن المخيم، وإن تهدمت جدرانه، لا يمحى من ذاكرة أهله حقهم بالعودة إلى ديارهم.
وتابع: “إن تشققت طرقات المخيم وتبعثرت أزقته، فإن خرائط القلوب ما زالت تحفظ اتجاه العودة كالبوصلة إلى الشمس”.
“المخيم بالنسبة للاجئين وإن بدا مؤقتا، لم يكن يوما غربة عن الحلم، بل كان الحلم نفسه في خيمة، في حارة، في زقاق ينبض بحنين لا ينطفئ”
يرفض نصر الله – بنبرة من يعرف وجه الاحتلال حتى وإن تنكر خلف أقنعة الأمن- كل تلك الادعاءات قائلا: “ما يحدث ليس لحماية أحد، بل لمحاولة نفي الفلسطيني من تاريخه، وإلغاء وكالة الأونروا كخطوة على طريق شطب حق العودة، كأنهم يظنون أننا حين نجوع، حين نحاصر، حين تمنع عنا المدارس والرعاية، سننسى أننا نملك وطنا على ضفة الحنين”.
يتابع نصر الله: “الحق لا تسقطه الجرافات، ولا تبتلعه الحفر، ولا تمحوه حرب إسرائيلية، فالحق ليس في المخيمات، بل في الذين سكنوا المخيمات وحملوها في أرواحهم كجسر للعودة”.
المخيمات الأربعة في نابلس وإن تعددت اسماؤها تحمل ذات الهم وذات الأمل، مثلها مثل بقية المخيمات الفلسطينية تصر على الحياة رغم اجتياحها اليومي، وذاكرة من فيها تفند الكذبة الكبرى التي أطلقها بن غوريون حين قال:”الكبار يموتون، والصغار ينسون”.
ويستذكر أهالي مخيمات نابلس مقولة بن غورين لتمنحهم إصرار إضافيا على التمسك بحق العودة.
في أزقة مخيم عسكر القديم للاجئين، لم يعش محمد عيسى (70 عاما) تفاصيل اللجوء فحينها لم يكن موجودا على قيد الحياة، لكنه يحفظ تلك التفاصيل جيدا وما زال صدى والده يتردد في ذهنه وهو يخبره عن بيتهم في حيفا.
ذلك البيت الذي لم يعد قائما، ترتسم صورته كأنها التقطت للتو في ذهن عيسى، الذي عاصر الكثير من تفاصيل حياة اللاجئين الصعبة على مدار سنوات عمره قائلا: “كلما اشتدت الأزمة والضربات من الاحتلال على اللاجئين ندرك أن حق العودة لا يمكن أن يسقط”.
بالنسبة لعيسى فإن الاحتلال عندما ردد قادته مقولة “الكبار يموتون والصغار ينسون” فإنه رددها بلسان مغتصب يعتقد أن شجرة الزيتون إن قلعت لا تعود، وأن التراب إذا سرق من تحت الأقدام، يصبح بلا ذاكرة، لكنه لم يكن يعلم أن الذاكرة الفلسطينية لا تختزل في أعمار، بل في حجارة البيوت المهدمة، في مفاتيح البيوت المعلقة على جدران متعبة وفي الغبار الذي يعلو الأمل ولا يقتله.
بالقرب من عسكر القديم نشأ مخيم آخر عرف باسم عسكر الجديد، في أزقته تلمح وجه الطفل الذي ولد لاجئا، لكنه رضع من حليب أمه قصة قرية لا يعرفها وظل يرسمها في دفاتره بألوان لا توجد في الواقع. هناك، يعرف الأطفال أن الوطن ليس فقط خريطة، بل ذاكرة حية تسكن في عيون أمهاتهم، يولدون وهم يحملون الوطن كحمى لا تنخفض حرارتها أبدا.
يقلب الطفل أحمد أبو كشك كراسه، يتنقل من رسم إلى آخر، أشكال متعددة لمكان واحد اسمه اللد، لا يعرفها أحمد لكنه يتخيلها فحسب، وكل مرة يضيف إلى رسومه المزيد من الألوان، مدركا أن تلك الألوان تمنحه تخيلا أكبر للد التي يسمع قصصها الكثيرة من عائلته.
يتكئ أحمد على جدار، تنوعت فيه الثقوب شكلا وحجما، كلها بأثر رصاص الاحتلال، أحمد الصغير يعرف أن الثقب في جدار لا يثقب روحا.
يواصل الاحتلال حربه على المخيمات، معتقدا أن المخيم مكان قابل للنسف، للتهجير الثاني، لكنه لا يفهم أن المخيمات ليست أماكن، بل صلوات معلقة في حناجر اللاجئين، لا تموت.
