الخليل- الحياة الجديدة- وسام الشويكي- ثلاث دقائق أو أربع على…
الخليل- الحياة الجديدة- وسام الشويكي- ثلاث دقائق أو أربع على الأكثر هي مدة مرور مركبة من وسط رأس الجورة حتى أول الشارع الالتفافي عند المدخل الشمالي لمدينة الخليل، أو حتى من ناحية “فرش الهوى”؛ المدخل الغربي، في عُرف السائقين أثناء الوضع الطبيعي دون أزمات مرورية أو حالات اكتظاظ، لكنها في ظل وضع الاغلاق الذي تفرضه سلطات الاحتلال على مداخل المدينة بالبوابات الحديدية، بات الخروج من المدينة في أغلب الأوقات، نحو نصف ساعة وربما أكثر جراء عمليات التدقيق والتفتيش؛ بل حالات الإذلال التي يمارسها جنود الاحتلال بحق المواطنين، ما يتسبب بحالات اكتظاظ خانقة تنجم عنها أزمات مرورية تمتد في أغلبها لأكثر من كيلومتر.
إلا أنه في وضع اغلاق جميع المداخل، الذي يجعل الخليل وكأنها على منصة إعدام تطوق البواباتُ الحديدية والمكعباتُ الإسمنتية عنقَها، يتكبد السائقون والمواطنون معاناة مضاعفة بحثاً عن مخارج ومداخل من بين الأتربة والصخور، لا تقل قسوةً عن “مرارة الانتظار”، بفعل طبيعتها الوعرة أو بُعدها المضني.. فلا مفر للمواطن في ظل هذا المشهد من ألم مشقة المرور إلا عذاب تحمل المرور ذاته!
محافظة الخليل التي أصبحت مكبلة بفعل الاغلاق لمداخلها كافة، التي ارتفعت وتيرتها بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، تشهد حالة تقطيع وتفكيك في التواصل بين بلداتها وقراها ومخيماتها، ورغم أن هذه البوابات لم تكن وليدة الأشهر الفائتة – وإن ارتفعت فيها معدلاتها- إلا أنها جاءت لاستكمال تعزيز إجراءات العزل والفصل بين المحافظات، بغية تفتيت التواصل الجغرافي بين مناطق الضفة؛ استمراراً للإمعان في عمليات السيطرة والاستيلاء وتواصل الاستيطان تطبيقاً لمخططات الضم وزعزعة أساسات البقاء من خلال ضرب حق التنقل والحركة لأبناء شعبنا.
يقول سائق مركبة عمومية فضل عدم ذكر اسمه، إن عملية الخروج والدخول إلى الخليل باتت شاقة ومضنية مع استمرار اغلاق المداخل ونصب الحواجز العسكرية الاحتلالية عليها؛ حيث الانتظار الطويل للمرور “وأحياناً يجري ارجاعنا ويتم اغلاق البوابة بعد انتظار يتعدى في أوقات إلى نحو ساعة.. ثم نبدأ رحلة أخرى في البحث من مخارج بديلة”.
وربما هذا السائق يعكس حال المارين عموماً عبر المداخل للتوجه من وإلى أماكن عملهم وبيوتهم ومصالحهم اليومية، لتشكل واحدة من أدوات وأساليب سياسة القمع والعقاب الجماعي المفروضة على شعبنا الفلسطيني؛ فلم تعد البوابات والحواجز مجرد عوائق تحول دون الدخول والخروج، سواء على مستوى المحافظة نفسها أو بين المحافظات، وإنما أضحت تمثل محطات تعذيب جديدة ابتدعها الاحتلال، يمارس خلال ساديته المقيتة في حشر المواطنين وفرض الانتظار عليهم في بقعة ضيقة جداً لساعات طويلة، ناهيك عن تعريضهم للضرب والإهانة والإذلال، والإسهام في تعطيل الحياة العامة بكل أشكالها، إلى جانب أنها تسهم في وضع عوائق أمام العلاقات الاجتماعية ومنع العائلات والأسر من التواصل والتزاور بينها.
ودب الاغلاق المستمر والمتكرر لمداخل المدينة، وغيرها من المناطق والمدن، الخوف في قلب المواطن شاهر عابدين، وجعله في خشية ورهبة من أمره بعدم التمكن من الرجوع إلى بيته في حال تمكن من الخروج من المدينة.
ويتابع: “قبل أسابيع لم أتمكن من المشاركة في مناسبة لأقرباء لي في منطقة الرام، حيث كانت البوابات الحديدية المنصوبة على مداخل المدينة مغلقة”.
وأضاف: “خلال عيد الفطر الفائت لم أخرج من الخليل لزيارة قريبات لي في محافظات أخرى خوفاً من اغلاق المداخل”.
أصبحت الخليل أشبه بالجزيرة شبه المعزولة عن محيطها، وشبه المغلقة تماماً، وبات الدخول والخروج منها، في أغلب الأوقات مغامرة تستلزم أكثر من ساعتين، في حين يسلك مواطنون طرقا متعرجة وطويلة وأخرى وعرة ترابية وزراعية ضيقة وبين الأزقة للتنقل من منطقة إلى أخرى، سواء داخل المحافظة أو خارجها، الأمر الذي يستغرق وقتاً مضاعفاً وأجرة عالية التكلفة.
محافظ الخليل خالد دودين، يصف حال الخليل بعد حالة التضييق الذي تفرضها سلطات الاحتلال عليها، بأنها تعيش أسوأ الظروف على مختلف الصعد بما فيها تقييد حرية الحركة من خلال الحواجز والإغلاقات.
وبين دودين أن المحافظة مكبلة بنحو230 حاجزاً تقع داخل مساحة نحو 900 كم2، منها 112 حاجزاً مغلقاً بشكل دائم ولا يُسمح للمواطنين بالمرور عبره حتى مشياً على الأقدام.
الحال عند مداخل المدن والبلدات والقرى في محافظة الخليل، شبيه تماماً لما يجري عند مداخل المدينة الرئيسية (رأس الجورة وفرش الهوى والفحص)، فأغلب هذه المداخل مغلقة ويجري فتحها في أوقات متفاوتة ولمدد قصيرة، ويخضع سكان هذه البلدات لنفس الإذلال عند الحواجز والبوابات المنصوبة على طرق الرئيسة والفرعية، ويضطرون لسلوك طرق أخرى بديلة من داخل الأراضي والتلال ومن بين البيوت والمنازل للعبور والتنقل.
ويعبر المواطن يوسف المحاريق عن وجع التنقل والحركة بالقول: “ننتظر أحيانا أكثر من ساعتين على الحاجز للسماح لنا بالمرور. التنقل عبر البوابات والحواجز، إن كانت مفتوحة، أصبح مضنيا وشاقايكلفنا الكثير من المال والوقت والجهد وحرق الأعصاب”.
ويتابع: “في كثير المرات يتلذذ جنود الاحتلال بعقابنا وتعذيبنا، فبينما يقوم بإغلاق بوابة رأس الجورة (شمالاً) نتوجه إلى بوابة فرش الهوى (غرباً)، لنجد رتلاً من السيارات الخصوصية والعمومية والشاحنات والمركبات بانتظار السماح لها بالمرور، وتخضع لإجراءات مهينة وقاسية، تصل إلى التفتيش في الهواتف الخليوية لنا وإذلالنا وضرب بعضنا والتنكيل بهم.. رغم أن طريقنا المفترض أن تكون من مدخل جنوب المدينة لكنه مغلق تماماً”.
هذا الإغلاق التام والدائم الذي يشير إليه المحاريق، يشمل مداخل أخرى في بعض مناطق محافظة الخليل، ومنذ شهور عديدة، مثل المدخل الرئيسي لبلدة إذنا غرب المحافظة.
وتدخل البلدة التي يبلغ تعداد سكانها نحو 35 ألف نسمة، في الشهر الثامن للحصار المطبق المفروض عليها، مترافقةً معه عقوبات لم تتوقف وأعمال تنكيل واقتحامات يومية وهدم بيوت داخل البلدة.. وفق ما يؤكد مدير العلاقات العامة في بلدية إذنا عبد الرحمن الطميزي.
ويلفت الطميزي إلى أن سلطات الاحتلال تمارس سياسة العقاب الجماعي بحق أهالي البلدة، وأنها تتعرض لعدوان مستمر على مختلف الصعد؛ حيث تواصل قوات الاحتلال اغلاق المدخل الشمالي الرئيسي بشكل دائم منذ نحو 240 يوماً، وإغلاق طرق فرعية أسهمت في إطباق الحصار المفروض على البلدة، بالإضافة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية المتردية للسكان؛ بمن فيهم أصحاب المحال التجارية الواقعة عند المدخل الشمالي، بالإضافة إلى التسبب للبلدية بصعوبة بالغة في عملية نقل وتفريغ النفايات؛ حيث تضطر سيارات جمع النفايات سلوك مسافة مضاعفة تصل إلى أكثر من 30 كيلومتراً لتفريغها. كما أثر الحصار بشكل سلبي على قطاعات أخرى بما فيها القطاع التعليمي.
داخل مدينة الخليل نفسها، وتحديداً الحواجز المفروضة في البلدة القديمة ومحيطها، أحكمت سلطات الاحتلال من قبضتها في الأشهر الأخيرة، هي الأخرى، بفرض قيود مشددة على حركة السكان والأهالي، وتحديد ساعات لتنقلهم من وإلى بيوتهم ومنازلهم، ناهيك عن أعمال التنكيل والتفتيش وحالات الإذلال عند الحواجز.. فارضةً بذلك حصاراً فوق الحصار المفروض على الخليل القديمة منذ سنوات طويلة.
يقول السكان في المنطقة: إن سلطات الاحتلال ضاعفت بعد السابع من اكتوبر 2023 من خناقها على مناطقهم المغلقة، لدرجة أنه يُمنع عليهم مغادرة بيوتهم أغلب الأوقات، ويُمنعون من التحرك بحرية في شوارع البلدة القديمة، وأنهم يخضعون لإجراءات تعسفية قاسية جراء القيود التي تفرضها قوات الاحتلال على البوابات الفاصلة والحواجز العسكرية المنتشرة داخل المنطقة، إلى جانب المعاناة الدائمة من الهجمات التي يشنها المستوطنون أثناء جولاتهم في الأزقة والشوارع وحارات البلدة القديمة ومهاجمتهم للمواطنين وبيوتهم وممتلكاتهم ما جعل حياتهم عرضةً للمخاطر.
منسق تجمع المدافعين عن حقوق الإنسان عماد أبو شمسية، يؤكد أن سلطات الاحتلال، بإحكام قبضة حواجزها على حياة السكان في المناطق المغلقة داخل مدينة الخليل، تضرب بعرض الحائط كل الأعراف والقوانين الإنسانية الدولية التي تكفل حرية الحركة، وتسعى إلى فرض سياسة التمييز العنصري وإخضاع السكان لأنماط حياة تتواءم مع سياسات الاستيلاء التي تفرضها وفق رغباتها وأطماعها.
على مدخل شارع الشهداء من ناحية منطقة باب الزاوية، يقف الحاجز الأكثر شهرةً على خاصرة المدينة؛ حائلاً بين جنوبها وشمالها، مقسماً إياها إلى جزئين، ويجثم على مدخل أحد أكثر الأحياء عزلةً؛ حي “تل الرميدة” الذي تأخذ فيه الإغلاقات شكلاً أكثر عمقاً، خاصة مع استباحة المستوطنين لحرمة المكان الفلسطيني تحت قبضة سلاحهم وغطاء جنودهم.
